حقيقة الإسلام في منظور العلامة والدكتورعبد الهادي بوطالب شخصية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رسول الإسلام | ||
| ||
| ||
|
بسم الله الرحمان الرحيم يعتبر العلامة الدكتور الأستاذ عبد الهادي بوطالب من القامات العلمية البارزة في المملكة المغربية العامرة في المجال العلمي بمعناه الواسع، والذي عاش بين سنة 1923 م و2009 م. وهو من أبناء المغرب البررة الذي تلقى تكوينا علميا متينا، جمع فيه بين التكوين الديني السالمي المتين، بدءا بحفظه المتقن للقرآن الكريم وهو ابن تسع سنين، وتلقيه للعلوم الدينية الشرعية في جامعة القرويين بتفوق، ومهارته فيها وهو من اليافعين، والذي زكى عمله ذلك شهادة الدراسات العليا التي نالها، والتي سلمها إياه يومئذ ملك المغرب محمد الخامس شخصيا يدا بيد افتخارا به، وتقديرا له. فلم يكتف بذلك فقط بل زاوج بين التعلم الشرعي والتعلم العصري، والذي أتقن من خلاله اللغات الأجنبية وعلومها، خاصة اللغة الفرنسية على اعتبار المستعمر كان فرنسيا والإنجليزية بعدها. ولم يتوقف عند هذا الحد بل أضاف إلى ذلك كله إتقانه للدراسات الدستورية والقانونية الوطنية والدولية، أسعفته في أن يصبح من المبرزين في الميدان الدبلوماسي. كما وسارع إلى اكتساب علوم متنوعة أخرى، أصبح بفضلها محنكا ثقافيا وسياسيا، وهو الأمر الذي خول له ليكون من كبار المستشارين وطنيا ودوليا. ولم تشغله كل هذه المهام على أن يبرع في مختلف مجالات الكتابة بالعربية والفرنسية والإنجليزية، نظرا لتمكنه المعمق في مجموعة من الميادين علمية متنوعة، والتي أهلته للكتابة والتأليف في مختلف الجوانب السياسية والدبلوماسية والفكرية والأدبية والدينية، رغم كثرة المهام والمسؤوليات الجسام التي كان يتحملها. ومن الكتابات التي كتبها وخلفها وراءه كتاب "حقيقة الإسلام". وبمناسبة شهر رمضان المبارك لسنة 1447ه / 2026 م، سنسلط الضوء على موضوع من مجموعة من المواضيع التي تناولها عبد الهادي بوطالب في كتابه "حقيقة الإسلام"، لإبراز المستوى العلمي والفكري الراقي الذي كان يتمتع به، وهو يخوض عالم دراسة الإسلام ومحتوياته، والسيرة النبوية العطرة والحكم المستنبطة منها، دراسة وبحثا وتفكيرا وتحليلا وكتابة في المجال الديني. ومن هذه القضايا التي تضمنها الكتاب "قضية شخصية الرسول والنبي محمد صلى الله عليه وسلم رسول الإسلام"، حيث اعتبرها شخصية فريدة تاريخيا، لم يشهد التاريخ ولن يشهد لها نظيرا، لكونها شخصية ونسخة واحدة لا يمكنها أن تتكرر مستقبلا، وبالمواصفات نفسها في أي إنسان آخر. وقد من الله تعالى على قريش وعلى العالمين بمولده صلى الله عليه وسلم حيث قال عز شأنه "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم. حريص عليكم. بالمؤمنين رؤوف رحيم" التوبة / 128، ولقوله عظمت حكمه "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم اياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" آل عمران / 164. فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم سليل صفوة العرب، المنحدر من قريش، البالغ نسبه إلى إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام حيث قال صلى الله عليه وسلم "أنا ابن الذبيحين" (الحاكم / المستدرك / 4070)،] والذبيحان هما جده إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وأبوه عبد الله بن عبد المطلب. وقد انقسمت حياته صلى الله عليه وسلم إلى فترتين بارزتين : 1 ـ من المولد إلى سن الأربعين سنة: حيث ولد بمكة في قبيلة قريش، وهي قبيلة مشهورة جدا في قبائل العرب. مات أبوه وهو لا زال في بطن أمه ليعيش يتيم الأب. وماتت أمه وهو لا يزال في سن السادسة من العمر ليعيش بعدها يتيم الألب والأم معا، وقد ذكره ربه بهذا الوضع الذي عاشه في طفولته وصباه قائلا جل جلاله "ألم يجدك يتيما فآوى. ووجدك ضالا فهدى. ووجدك عائلا فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث" الضحى / 6 ـ 11. ليقوم جده عبد المطلب برعاية شؤونه إلى موعد وفاته. وترك عهدة وأمانة تحمل مسؤولية تربيته من بعده لابنه أبي طالب، الذي أحسن وأخلص في تربيته، ورعاية شؤونه صلى الله عليه وسلم. وقد شب حينها راعيا للغنم لقريش على قراريط كما فعل من سبقه من الرسل والأنبياء عليهم السلام مدة من الزمن. فلما اشتد عوده صاحبه معه للتجارة إلى الشام. فلما علمت خديجة بنت خويلد ما عليه صلى الله عليه من الصدق والأمانة والاستقامة وحسن الخلق، استعملته في تجارتها. وكانت ترسل معه غلامها ميسرة لمصاحبته، وتسجيل ما ينبغي تسجيله من ملاحظات على معاملاته أثناء أداء مهامه، ليعود بها إليها فتزداد له محبة وتقديرا وتعظيما. فقد كان صلى الله عليه وسلم عظيم الخلق والآداب في معاملاته، ولم تسجل عليه مخالفة أو سوء تصرف. إضافة أنه كان يحقق في رحلاته التجارية تلك أرباحا وفيرة. مما جعلها تطمئن إليه كل الاطمئنان، وترسلت في خطبته للزواج منها، وهي المرأة المخلقة المستقيمة العفيفة الغنية، ذات الحسب والنسب والشرف، التي رفضت الزواج من كل من تقدم لخطبتها. فقبل صلى الله عليه وسلم بأمر ربه الزواج منها، وهو في السن الخامسة والعشرين، وهي في سن الأربعين، ليرزق منها بستة أولاد ذكرين ماتا صغيرين، وأربع بنات. لقد كانت حياة محمد صلى الله عليه وسلم معصومة من المعاصي والمفاسد والمحرمات كلها، بحيث لم يعرف نزوات شباب مكة التي كانوا ينغمسوا فيها، فلم يغش، ولم يكذب، ولم يذهب إلى أماكن اللهو والفجور، ولم يشرب خمرا، ولم يزر صاحبات الرايات الحمر، ولم يوجد في دور البغاء، ولم يلعب قمارا، ولم يعاقر ميسرا، ولم يسجد لصنم، ولم يأت عرافا وال كاهنا، ولم يظلم أو يشارك في ذلك أحد قط. مما جعل قريش تقدره حق قدره، وتجمع على عظم أخلاقه العالية الفاضلة، وسمو أحواله، وتصرفاته البريئة الموفقة وصدقه، وقد مدحه ربه قائلا "وإنك لعلى خلق عظيم" القلم / 5. فكيف لا يكون كذلك وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم "بعثت لأتمم حسن الأخلاق" (مالك / الموطأ / 3356 .] لقد كان الصدق ديدنه، وأداء الأمانات إلى أهلها منهجه، والاستقامة جامع تربيته وأخالقه، حتى سمته قريش بـ "الصادق الأمين"، وهو الأمر الذي دفعهم إلى طلب تحكيمه في قصة وضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة المشرفة بعدما أعادوا ترميمها. 2 ـ ومن سن الأربعين إلى سن الوفاة في ثلاث وستين للهجرة: حيث كان يتوجه إلى غار حراء ليتعبد فيه الليالي ذوات العدد، في خلوة تامة عن العالم، متفكرا متأملا متدبرا محللا، ليستمر على ذلك النهج القويم الأيام الطوال، حتى ينتهي الزاد. فيقوم بالعودة لتفقد أحوال أهله وأولاده، ولتزوده زوجه خديجة رضي الله عنها بما تيسر من الزاد، ليعود من جديد مجاورا ربه بغار حراء. حتى إذا جاء ميعاد نزول جبريل عليه السلام وهو في الغار، تلا عليه ما نزل به من القرآن من سورة "العلق" "اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم" العلق / 1 ـ 7 . لتبدأ بذلك حياة الرسول والنبي صلى الله عليه وسلم العملية في القيام بأعباء تبليغ الدعوة الإسلامية الموجهة للعالمين من الإنس والجن تنفيذا لقوله تعالى "يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته. والله يعصمك من الناس. إن الله لا يهدي القوم الكافرين" المائدة / 67 ،ولقوله عز شأنه "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء / 106، ولقوله عز مقامه "يأيها المدثر قم فأنذر. وربك فكبر.وثيابك فطهر.والرجز فاهجر، وال تمنن تستكثر. ولربك فاصبر" (المدثر 1-7) . ومما ركز عليه عبد الهادي بوطالب في كتابه، الإشارة إلى أن من المعجزات التي يتم تسجيلها في حق محمد صلى الله عليه وسلم، أنه كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة، فلم يعلمه حبر، ولا قسيس، ولا تعلم على يد الجن، ليأتي بقرآن مثله. فتحدى الله عز وجل بذلك الإنس والجن كلهم على الإتيان بمثله، أو عشر سور مثله مفتريات، أو سورة واحدة. لقد عجز جميع الإنس والجن زمانه صلى الله عليه وسلم على الإتيان بمثله، ولا يزال التحدي قائما، وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة فقال عز سلطانه "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" (الإسراء / 88 )، ولقوله عزإعجازه "وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون. بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم. وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون. وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه. قل انما الآيات عند الله. وإنما أنا نذير مبين. أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم. إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يومنون" (العنكبوت / 48 ـ 50). وبالتالي فرغم أميته فقد استطاع بفضل ما آتاه ربه من آيات ومعجزات أن يعجز به الكل، بل وأن يخرس العالمين في زمانه، ولا زال هذا الإعجاز قائما، وسيبقى التحدي والإعجاز مستمرا إلى أن يرفع تعالى القرآن الكريم عند قرب موعد قيام الساعة مستقبلا، على اعتبار محمد صلى الله عليه وسلم آخر الرسل والأنبياء. لذلك كان حريا بالناس في زمانه والذين يأتون من بعده صلى الله عليه وسلم، أن يؤمنوا به وهو الرسول والنبي العظيم، ويتبعوه، ويسلموا له القياد، ويقتدوا بهديه المنير، الذي جاءهم به من عند رب العالمين، لأن مهمته الرئيسية تجلت في هدايتهم إلى صراط ربهم المستقيم لقوله عز شأنه "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. ألا إلى الله تصير الأمور" (الشورى / 52 ـ 53 ). ولن يندم متبعه وفاعله أبدا في الدنيا والآخرة لقوله عز مقامه "لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا" الألحزاب / 21. وقد رأى عبد الهادي بوطالب من خلال تحليلالته لأخالق محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان صادقا في كل شيء، فاستدل على ذلك بظاهرتين:
فلو كان الرسول والنبي صلى الله عليه وسلم دجالا، أو يستعمل الدجل لقضاء مصالحه المادية الدنيوية، أو مشعوذا، لاستغل الحدث لصالحه وادعى ما يمكن أن يدعيه باطلا، مستغلا بساطة القوم الذين بعث فيهم وأميتهم وسذاجتهم، وخرق الحدث للعادة والذي لم يألفوه، وانبهارهم به. وبالتالي سيقومون بعبادته صلى الله عليه وسلم كما عبدوا الأصنام من خلال ذلك المشهد. لكنه كان صادقا مع ربه، حيث نادى صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى الصلاة أن تقام، وصلى بالمسلمين صلاة الكسوف، وبقي على تلك الحال مصليا داعيا ربه حتى زال الكسوف. فبقيت صلاة الكسوف بذلك سنة تعبدية مشرعة للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، كلما رأوا كسوفا أو خسوفا إلى يوم القيامة.
لقد كانت حياة الرسول والنبي محمد صلى الله عليه وسلم حياة زهد وتواضع، لا يكاد وأهله يشبعون من طعام كما قالت عائشة زوجه صلى الله عليه وسلم "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نعيش الأيام والليالي وليس لنا من أكل وشرب سوى الماء والتمر". كما ولم يكن له بيت خاص به يملكه، ولا له رأسمال يستثمره، رغم أن بيت مال المسلمين كان بين يديه، وتحت تصرفه. فمات دون أن يخلف درهما ولا دينارا، وهو القائل صلى الله عليه وسلم "نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة" (مسلم / الصحيح / 1759). فيا له من رسول كريم عظيم حليم خاتم، أكرم الله به العالمين من الإنس والجن، بلغهم رسالات ربهم كاملة، ليكونوا في الدنيا مهتدين مؤمنين مسلمين، وفي الآخرة من الفائزين المبشرين، بجنان رب العالمين، لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ورحم الله الكاتب والمؤلف المتقن عبد الهادي بوطالب برحمته الواسعة . كتب هذا المقال في يوم الجمعة 2 رمضان 1447ه / موافق 2026 الدكتور المامون عبكاري/ تخصص الدراسات الإسلامية والعقيدة والأديان والمناظرات في الفكر الإسلامي / خريج جامعة محمد الخامس / الرباط / المملكة المغربية العامر. | ||
|
حقيقة الإسلام في منظور العلامة والدكتورعبد الهادي بوطالب شخصية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رسول الإسلام الاثنين 9 مارس 2026 |
|
خاص بالذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء الخميس 5 مارس 2026 |
|
مؤسسة عبد الهادي بوطالب تنوه بالقرار الأممي حول الحكم الذاتي وتعتز بالخطاب الملكي ومرجعيته لإرساء دعائم المغرب الموحد الأربعاء 5 نوفمبر 2025 |
|
دعوة الثلاثاء 10 يونيو 2025 |
|
تهانينا لجلالة الملك بمناسبة عيد الأضحى المبارك الجمعة 6 يونيو 2025 |







