بين الشريعة والفقه والقانون (الحلقة 3) | ||
![]() | ||
| ||
10. القانون نشأ القانون عن الأعراف والعادات التي أصبحت بمقتضى سنها قوانين إلزامية يعني الخروج عنها الخرق للمألوف المتعارف عليه. وأكدت السلطات الحاكمة على قوة الأعراف التي تخدم مصالحها فصاغتها في أحكام قانونية ملزِمة. ولم ينشأ القانون ويتطور إلا في البلاد الأوروبية الوثنية، فلما جاءتها الديانة المسيحية لم تَرم إلى أن تغير ما وجدته من عاداتها وأنظمتها، وإنما فرضت عليها معتقداتها وطقوسها الدينية فقط، بينما لم يظهر القانون في البلاد الشرقية التي كانت تحتكم في شؤونها إلى العادات والأعراف والديانات السماوية. على أن المسيحية قدمت مع ذلك القانون الأوروبي قواعد ومبادئ أصبحت أساسية في صلب تكوينه، إذ أكدت على كرامة الإنسان فحرمت قتله وألزمت احترام حقوقه وحقوق أسرته وممتلكاته، كما وضعت حدودا للسلطة الدنيوية بمقتضى قانون أعلى فمنعت السلطة من التعسف والجور وتجاوز حدودها. واحتفظت الكنيسة بقوانينها الخاصة بعيدة عن قوانين السلطة الزمنية مستبعدة خضوع الدين للدولة كما كان عليه الأمر في القانون الروماني القديم. ووقفت عند حدود السلطة الروحية بإعطاء الله ما لله ولقيصر ما لقيصر تاركة لكل دولة وضع تشريعاتها. وهكذا أخذ القانون ينمو نموا سليما بعيدا عن التعسف والطغيان، وأصبح متقيدا بمبادئ وقيم وأهداف تؤكد على الحرية والمساواة والعدل، وترتكز على الوصايا المسيحية فاصطبغ القانون بالزمنية. ولم تكن القواعد القانونية الوضعية هي التي تنظم وحدها سير المجتمعات، فقد كانت بجانبها القواعد الاجتماعية الأولى المستمدة من القانون الطبيعي ومن قواعد الأخلاق، وكانت بعض المجتمعات القديمة كالمجتمع الروماني تقيم بين هذه القواعد حدودا، فتؤكد أن القانون الوضعي قد ينظم من القواعد ما لا يقره الخلق، ولكن لم يحدث أن حددت أسس فلسفية للتمييز بين هذه القواعد، وإنما ظهر النزوع إلى ذلك في القرن الثامن عشر في محاولتي الفيلسوف القانوني الألماني كريستيان طوماس (المعروف بطوماسيوس) (Thomasius) (1655-1728) والفيلسوف الألماني إيمانويل كانت (Emmanuel Kant) (1724-1804)، وفي محاولة فلاسفة وفقهاء آخرين، معتبرين أن القوانين الوضعية لا تهدف إلى أكثر من تنظيم المجتمع لتأمين سلامته، بينما القواعد الاجتماعية الأخلاقية تتغيى تطوير الإنسان ورفعه إلى أفضل مستوى. ولابد أن يضاف إلى ذلك أن بين هذه القوانين نقط التقاء واختلاف. والغالب أن القواعد المجتمعية الخلقية أكثر اتساعا في مجالها من مجالات القوانين الوضعية، وأكثر تشددا لتقيدها بمبادئ خلقية ثابته، بالإضافة إلى أن قواعد القانون الوضعي قواعد ملزمة تؤيدها سلطة الإكراه والإجبار كما سنرى في تعريف القانون. أما القواعد الأخلاقية فزجرها موكول إلى ضمير من يخالفها. وقد توزع الفكر الفلسفي بين أنصار القانون الطبيعي وأنصار القانون الوضعي واحتدم جدال بين الطائفتين. ونذكر على سبيل المثال النزعة المكيافيلية التي وضع بها صاحبها الأمير فوق جميع القيم الخلقية، ونظرية بودان الذي كان يرى سيادة الدولة المطلقة مشخصة في الحاكم الذي يضعه فوق جميع القوانين. ويعني ذلك انحسار القانون الطبيعي لفائدة القانون الوضعي. لكن مؤلف كتاب قانون الحرب والسلام غروتيوس (Grotius) (1583-1645) جاء فأعاد للقوانين الطبيعية مكانتها ونادى بأن يسمح لها بتوجيه القانون الوضعي في وجهتها وجعل قواعدها أساسا تقوم عليه القواعد القانونية الوضعية وتلتزم بمقتضياته، وبذلك برزت نظرية القانون الطبيعي متفوقة وتبناها فلاسفة اجتماعيون خلال القرن السابع عشر. إلا أن نظرية سيادة القانون الطبيعي أصبحت تتجاوز شيئا فشيئا خاصة منذ نهاية القرن السابع عشر بظهور نظرية العقد الاجتماعي لجان جاك روسو التي مهدت لعهد الحكم المؤسس، وحولت الحقوق من طابعها الطبيعي إلى طابعها المدني، وتخيلت قيام مجتمع الدولة في شكل شركة مساهمة يملك فيها كل فرد سهما موازيا لسهم نظيره، بحيث لا تفاضل في الحقوق، وأن القانون بالتالي يجب أن يقوم بإرادة المجموع حتى تكون القوانين تعبيرا عن الإرادة العامة. وبمقتضى أن السيادة من حق المجموع ككل، فإن لهذا المجموع موفور الصلاحية في تنظيم ما يراه من الحقوق والالتزامات بصرف النظر عن التقييم الخلقي لتلك التنظيمات حتى ما لا يتفق مع القوانين الطبيعية. فإن تجاوزنا هذا العهد في فرنسا لاحظنا أن الثورة الفرنسية قامت مستلهمة تنظيماتها من القانون الطبيعي بالنسبة لقوانينها ومبادئها العامة، كحقوق الإنسان والمواطن، ومن العقد الاجتماعي باعتبار أن السيادة للأمة. 11. الحقوق والقانون وتعني كلمة الحقوق (Les droits) مجموعة امتيازات يتمتع بها الأفراد والجماعات في مجتمع معين يعتبر كل منها كما يعتبر مجموعها حقا مكتسبا وتضمن بعض الدساتير التمتع بها وعدم المساس بها. أما كلمة القانون (Les droits) فتعني مجموعة من القواعد التي تسن وتطبق لضبط سلوك الأفراد والمجتمعات الموجودة في مجتمع معين وزمان معين، والتي يترتب على مخالفتها جزاء، ويتوخى من إقامتها صيانة أمن المجتمع. إن جميع القوانين لا تتغيى إلا صيانة الأمن الاجتماعي، ومن ثم فإن القانون خصم الفوضى وعدو الاضطراب. والقانون قسمان : طبيعي ووضعي، والأول مجموعة قواعد لا تكون في الغالب مدونة، ولكن المجتمع اتفق على اعتبارها قواعد سليمة للسلوك لمطابقتها للطبيعة البشرية، والثاني مجموعة من الضوابط والقواعد الملزمة التي يترتب على مخالفتها جزاء والتي يغلب أن تكون مدونة. إن القانون الوضعي يمكن أن يجاري مقتضيات القانون الطبيعي، كما يمكنه أن لا يتقيد بها، ولكن المجتمع السليم هو الذي يسن من قواعد القانون الوضعي ما يتلاءم مع مقتضيات القانون الطبيعي، لتتقبله النفوس أكثر. ومن تعريف القانون السالف يتبين أنه لابد أن تتوفر له أركان خمسة، هي : (¹) وجود قواعد منظمة (²) وتوقيتها فهي قابلة للتغيير، ونوعيتها فهي صالحة لمجتمع دون غيره (³) وهي موضوعة للعمل بها عن طريق الإلزام (⁴) ويترتب على مخالفتها جزاء رادع (⁵) على أن يكون هدفها هو صيانة أمن المجتمع من العبث والفوضى. والتنصيص في هذه الأركان على عنصري الإلزام والجزاء هو الذي يميز القانون الوضعي عن القانون السماوي الذي يؤجل الجزاء في بعض الحالات إلى العالم الأخروي، كما يميزه عن مقتضيات القانون الطبيعي والقواعد الأخلاقية التي يترك الحكم على مخالفها إلى وخز الضمير الفردي أو إلى المجتمع وحده. إن جماعة من علماء القانون من أنصار المدرسة المثالية لم يشترطوا في تحديد مفهوم القانون عنصري الإلزام والجزاء. فبحكم كونه قاعدة مجتمعية، فإنه يحمل في نظرهم فكرة الجزاء. وهم بهذا يتوسعون في دلالة الجزاء مدرجين فيها الجزاء المعنوي بجانب الجزاء المادي. إن للقاعدة القانونية خصائصها فهي :
وطبقا للتنظيم الديمقراطي الذي ابتدأ العمل به في الغرب ابتداء من أنجلترا منذ سبعة قرون، وخاصة بعد قيام مجتمع الدولة، فإن الحكم تطور ليصبح حكومة الشعب بالشعب. وفي هذا التنظيم قصرت مؤسسة المؤسسات (الدولة) في البداية وظيفة التشريع على نواب الأمة الذين يمارسون إلى جانب سلطة التشريع الرقابة على الحكومة التي انحصرت مهمتها في سلطة التنفيذ. إن القانون في عهد سيادة البرلمانات كان من صنع الشعوب أو ممثليهم، وكان يتسع ليشمل مجموع القواعد والضوابط الملزمة التي تسنها سلطة التشريع وتطبق لضبط سلوك الأفراد والجماعات الموجودة في المجتمع، والتي تكون لها سلطة الإلزام والزجر. وذلكم كان مفهومه المادي، لكنه أصبح يأخذ مفهوما شكليا يعرف بمقتضاه بأنه "النص الذي يصدر عن المؤسسات أو السلطات التي تخول لها النصوص الدستورية في كل بلاد ممارسة السلطة التشريعية". وعلى ذلك يطلق اسم القانون على كل ما يصدر عن البرلمان من قواعد يعتبرها قانونا ويكيفها بصيغته –بصرف النظر عن محتوى المقتضيات المسنونة- وتكون لها قوة قانونية نافذة. وفي ذلك يقول د. دومالبرغ : "لكي تكون القاعدة تشريعية فمن الضروري ومن الكافي كذلك أن تكون من عمل السلطة التشريعية، أي من الجهاز الذي تكمن فيه هذه السلطة ويستأثر بها وحده. فمفهوم القانون مستقل عن مضمون ومحتوى العمل التشريعي، لأنه مفهوم شكلي محض لا يتحكم فيه إلا مصدره أي واضعه". لقد أصبح القانون في فرنسا مثلا ومنذ الجمهورية الخامسة وإعلان دستور رابع أكتوبر 1958 يعني جملة من القواعد يتم إقرارها :
وبمقتضى ذلك فللقانون مفهوم شكلي، لأنه يتصل بالجهاز الذي يصوت عليه. واقتصر مفهومه المادي على ما تضمنه الفصل المشار إليه، إذ ما عداه من القواعد يدخل في نطاق ما اصطلح على تسميته بالتنظيم (Règlement) وهو من اختصاص الجهاز التنفيذي. وهو ميدان أوسع من ميدان القانون، مما يصح معه القول إن التشريع أصبح في ميدان التنظيم هو القاعدة، بينما أصبح التشريع في ميدان القانون استثناءا. وقد نحا الدستور المغربي نفس المنحى، فميدان القانون هو ما نص عليه الفصل 48. والمواد الأخرى التي لم ينص عليها تدخل في ميدان التنظيم الذي يرجع للسلطة التنفيذية.
منذ ظهرت نظرية القانون وهي موضوع تحليل ونقد من المدارس الفلسفية بين مؤيدة له ومناهضة. وقد أخذ منتقدو القانون عليه فقده التوازن أحيانا بين النظرية والتطبيق، فقد يكون نظريا قانون عدل بينما هو في التطبيق لخدمة الأقوياء أو طبقة سائدة. وأخذ عليه البعض الآخر حرصه على استيعاب جميع الأحوال ومواجهتها بتنظيمات ملائمة، مما يجعله يتشع ويتشعب حتى تصبح مواده ومقتضياته مرهقة للمجتمعات التي لا تقوى على مجاراة ضوابطه فلا تطبق منه إلا الميسور أو المساير للأهواء أو تتحايل للتخلص من تطبيقه. وأخذ آخرون عليه اعتماده على سند القوة، فهو الذي يخول للدولة حق احتكار وسائل الإلزام ويُخضِع تحت طائلة القوة أو التهديد باستعمالها المحكومين إلى مقتضياته ولو خالفت إرادتهم، ولكن هذه المؤاخذة التي ميزت فلسفة الفوضويين والمثاليين معا ساقطة من أساسها، لأن القانون لا يعتمد القوة وحدها سندا، وإلا لوجب -كما قيل- أن يضع الحكم شرطيا خلف كل مواطن وشرطيا وراء كل شرطي لمراقبته. لكن مما تؤاخذ عليه بعض القوانين ترديها في مسايرة واقع المجتمعات وتبنيها وتزكيتها لبعض الظواهر المنحرفة، فالقانون الأنجليزي المبيح لعلاقة الشذوذ الجنسي والمرتب عليها قواعد الأحوال الشخصية يعتبر قانونا منظما للانحراف بدلا من أن يكون رادعا له ومقوما لمجتمع الشذوذ. والمحاولات التشريعية القائمة في بعض المقاطعات السويسرية لإقرار تشريع تُخفض بمقتضاه سن رعاية الآباء للقاصرين من أبنائهم إلى أقل من السادسة عشرة تشخص كيف يراد إخضاع القانون لواقع المجتمع الذي انفكت فيه عرى الأسرة، وضعفت فيه أو انعدمت رعاية الأبوين. ويمكن أن يؤاخذ القانون بأنه يفقد أحيانا شعور الإحساس بمجاوزة الظروف والأحداث له، فيبقى قائما مصرا على الاحتفاظ بمقتضياته رغم تقادمه. وإن من أسباب الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي عانت منها أوروبا وأميريكا ما تتسم به فوانينها من مآخذ من النوع الذي تحدثنا عنه، فالفكر القانوني غالبا ما يكون إما محافظا تقليديا فتتجاوزه الأحداث أو مسايرا للواقع فيتخلى عن مهمته في الإصلاح والتقويم. ومنذ أفلاطون وإلى كارل ماركس ردد بعض الفلاسفة مقولة ناقدة للقانون مفادها أنه لا ينجم عن القانون إلا الشر، وأعلن بعضهم أن لا ضرورة له، وطالب آخرون بالاستغناء عنه بالمرة، وقال عنه الماركسيون إنه لا يشكل في المجتمع الرأسمالي إلا بنية فوقية لإخضاع الشعوب وقمعها وأنه لن يكون ضروريا عند بلوغ المجتمع مرحلة الشيوعية التي هي نهاية المطاف للثورة الماركسية. والواقع أن القانون –خلافا لهذه الانتقادات- واكب النمو الحضاري العربي إن لم يكن قد هيأ ظروف التطور بحكم أنه كان الحارس اليقظ لتوجيه التطور الغربي في اتجاه سليم نسبي، ولأنه حمى الحرية التي بفضلها أمكن للثقافة الغربية أن تزدهر، وللعقل الأوروبي أن يشق في أمان طريقه في موكب الحضارة العالمية. ولا يمكن لعاقل أن ينكر أن القانون في جميع فروعه يقوم بدور حصار كابح للنزوات الفردية والمجتمعية. وأن مقتضياته هي نفسها التي تتحكم في عملية كبحه هذه، فالقانون مثله مثل السلطة التي قال عنها مونتيسكيو إن السلطة تحدد السلطة وتحد من قوتها. وهل يمكن أن يثور جدال في أن القانون الدولي –مثلا- يساهم مساهمة فعالة في ضبط نزوات الدول وكبحها عن مجاوزة حدود سلطاتها بالرغم من كون دول تجرؤ على مخالفته؟ إذ تبقى قيمته القانونية أسمى من القوانين الوطنية. ولابد أن يفرض المجتمع السياسي احترامه وهيمنته على الإرادات الشاذة والنزوات المنحرفة، خصوصا إذا تمكن المجتمع السياسي من إعادة النظر في تنظيمات الأمم المتحدة بما يحقق التساوي الفعلي بين جميع الدول الأعضاء، وإذا توفرت للقانون الدولي سلطة الإلزام والجبر التي لابد منها لفرض احترام كل قانون. 13. بين الفقه والقانون من أهم ما يميز الفقه عن القانون اتساع مواد الأول إلى التشريع الجزئي في العبادات أي تنظيم علاقة العبد بربه، بالإضافة إلى فروع الفقه الأخرى، مما جعل بعض العلماء ينعت الفقه بأنه دين وقضاء، ولا كذلك القانون الذي لا يتطلع إلى تنظيم العبادات، لأنه ينظم علاقات الأفراد والجماعات بعضها مع بعض فقط. ومع ذلك فللفقه والقانون صلات مشتركة. فكما يستوعب الفقه فروع القانون حسبما أسلفناه تلتقي أصوله النظرية في منهاجية مماثلة مع دلائل القانون النظرية التي تطرحها فلسفة القانون، لأن كلا منهما يتوخى في تشريعه تأمين المصلحة –رغم اختلافهما في تحديد مفهومها- ويلجأ إلى أدلة العقل والنطق لضبط ما يجد من قضايا وأحداث. وهذا ما سهل على القانونيين الغربيين عملية النقل من بعض مواد الفقه الإسلامي وقواعده. إن للقانون فلسفته وأدلته النظرية الخاصة، وللفقه منهاجه المتميز كذلك. والفقه كالقانون عمل بشري يفترق عن القانون بأنه يقتبس من أصول الشريعة الإسلامية ويجاري مفتضياتها. وكما للقانون مدارس ذات اتجاهات تختلف بين مجتمع وآخر، فللفقه مذاهب تأثرت اجتهاداتها بمقتضيات الزمان والمكان، ووُجد من بينها ما اعتمد النقل، وما رجح الرأي، إلا أنه إذا كان القانون حرا واسع الصلاحية في اختيار قواعده، فإن الاجتهاد الفقهي لا يتمتع بنفس الحرية والصلاحية، لأن المجتهدين ملتزمون بمقاصد الشريعة ومتقيدون بأن تكون اجتهاداتهم وتشريعاتهم الفرعية منسجمة مع القواعد الكلية التي ضبطتها النصوص الأساسية المقدسة، وبالتالي فالفقهاء المجتهدون لا ينزلقون –كما يفعل القانون أحيانا- إلى مجاراة ما قد يتواضع عليه المجتمع من انحراف أو شذوذ. فالغاية أن يرفع التشريع الإسلامي مستوى الأفراد والجماعات إلى التخلق بفضائل الشريعة لا أن ينحدر التشريع إلى مستوى المنحرفين، لذلك تأخذ أحكام الاجتهاد صبغة الأحكام الشرعية التي يُفرض فيها الدوام إلا إذا ثبت خطؤها باجتهاد أقوى ودليل أصح، فحينئذ يمكن أن يصار إلى غيرها مما هو ألصق بالشريعة وأقرب، بخلاف القانون الذي يمكن في كل حين تعديله أو إلغاؤه طبق إرادة الأغلبية البرلمانية أو حسب رأي أو هوى من يملك سلطة التشريع. والمشرعون المجتهدون لا يتقيدون إلا بما أقره العرف الإسلامي، وأحكامهم منقوضة حتما إذا ما جافته وبالأحرى إذا ما وقعت في نقيضه أي ما يعتبر في الشريعة منكرا، ولذا اعتبر القرطبي أن أصول التشريع هي التي تضمنتها الآية: "خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين". كما يلتقي عمل الفقيه في استيبان الحكم الشرعي عن طريق الدليل الشرعي مع عمل القانوني في تلمس المقتضيات التي تضمن سلامة القانون مسترشدا في ذلك بالنصوص القانونية المطبقة في المجتمعات التي أكدت الممارسة صلاحيتها، إلا أن بعض المذاهب الفقهية سمحت للفقيه أن يستعمل الدليل الشرعي ليحقق الوظيفة الشرعية التي قد تنفي الحكم الشرعي عند الشك فيه أو اليأس من تحصيله. وهذا ما أطلق عليه اسم البراءة الشرعية. وحولها اختلفت الشيعة والسنة، فاعتمدها الشيعة مستدلة بقوله تعالى : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"، وبحديث الرفع : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه"، وكذلك بحديث : "الناس في سعةٍ ما لا يعلمون" بينما نسب أهل السنة البراءة الشرعية إلى البراءة العقلية، أي أن العقل هو الذي يقوم بوظيفته فيها عند عجز المكلف عن بلوغ حكم الشارع. والمهم في هذا كله هو المرونة التي تطبع عمل الاجتهاد، وتجعله يتقارب في هذه المنهاجية مع منهاجية القانون الوضعي. وكما أن الأدلة الشرعية تفحص الحكم الشرعي من باب الاحتياط وتُعمل العقل في التمحيص حتى لا يقوم المكلفون إلا بأداء ما هو متيقن ثبوته شرعا، عملا بالآية "ولا تقْفُ ما ليس لك به علم"، فإن القانون يعمل بالاحتياط العقلي في معالجة القضايا التي يضبطها بقواعده القانونية حتى لا تجافى الصواب والمنطق. والملاحظة التي يحسن أن نشير إليها هي أن المذاهب الفقهية التي اعتمدت الأصول العقلية أكثر من اعتماد النقول تلتقي فيما اعتمدته من أصول الفقه مع فلسفة القانون. وعلى سبيل المثال فإن واحدا من الحنابلة وأحد غلاة الشيعة وهو نجم الدين الطوفي (توفي سنة 716 هـ) جاهر بتقديم مقتضى المصلحة في ميدان العادات والمعاملات على الدليل الشرعي لأن المصلحة هي مقصود الشارع دائما، وبالتالي فهي عنده أقوى أدلة الشرع. وهو لا يقدم النص الشرعي على مقتضى المصلحة إلا في العبادات فقط، لأن حق الشارع –كما قال- ينحصر في العبادات، ولا تتلقى أحكامها إلا منه ولو عارضت المصلحة (⁹). ونظرية الطوفي هذه تشخص تأثره بالمنهاج البرغماتي، وفي نفس المنحى سار القانون في الغرب معتمدا العَلمانية متجردا أكثر فأكثر من الالتزام بنصوص الكنيسة وقوانينها. ولم يقدر لنظرية الطوفي هذه قبول أو يقيض لها أتباع. وكما يمارس القضاة في النظام العدلي سلطة تقديرية في عدة مجالات إما لتقدير ظروف الفعل تشديدا أو تخفيفا، أو لربط تطبيق الحكم باعتبار النوايا حسنا أو سوءا، أو اعتبار مقاصد الجاني أو الاجتهاد لاختيار نص قانوني من بين عدة نصوص لتطبيقه على النازلة، مما ألف في القانون الوضعي رصيدا إضافيا أغني به القانون وأطلق عليه اسم الاجتهادات القضائية (jurisprudence) فإن الفقه الإسلامي قد أغني هو أيضا باجتهادات القضاة في مختلف العصور الإسلامية، مما تألفت معه أبحاث أضيفت إلى الأحكام الشرعية التي هي مجال الفقه المتعارف. وكما اعتمد التشريع الإسلامي ترتيبا لمصادر الفقه الإسلامي اعتمد القانونيون سلما ترتيبيا لدرجات القواعد القانونية. فعلماء الأصول والفقه متفقون على أن نصوص القرآن تأتي في الترتيب بين النصوص في الدرجة الأولى (كما يضع القانونيون النصوص الدستورية في القمة)، وتليها نصوص السنة، فالإجماع، فالقياس. كذلك يفرض القانون سلم الترتيب باعتبار أن القوانين التأسيسية (التي أطلق عليها الدستور المغربي اسم التنظيمية) تاتي بعد الدستور، وتتبعها القوانين العادية والقوانين التي تقر بالاستفتاء الشعبي (وهو غير الاستفتاء التأسيسي) فمراسيم القوانين، أي أن القانون يعتمد خضوع أدنى القواعد القانونية لأعلاها وهو ما يعرف بمبدإ الشرعية، وبالتالي فلابد من مطابقة جميع القوانين لقمة الشرعية التي هي الدستور، وهو مبدأ دستورية القوانين. كذلك فإن علماءنا اتفقوا على عدم الأخذ بأي نص ينسب إلى السنة ويخالف نصوص الكتاب، وأنه إذا تعارض الإجماع أو القياس مع نص الكتاب فلا يعمل بهما، بل يصبح حتى الاجتهاد مع وجود النص غير ذي موضوع. وقام باحثون بدراسات مقارنة بين استنتاجات المذاهب الفقهية الإسلامية والمدارس القانونية الوضعية انتهت بهم إلى ملاحظة وجود تطابق بينها في عدة مجالات. وفي هذا الباب نذكر أن زهدي يكن في كتابه "تاريخ القانون" مثل لذلك بأكثر من عشرين قاعدة :
.وفي هذا السياق يمكن أن ندمج تطابق بعض القواعد العامة المنصوص عليها في كل من الفقه والقانون، ومن ذلك :
وفي قانون المسطرة الجنائية قاعدة "للمتهم الكلمة الأخيرة"، وبمثلها أخذ الفقه في المسطرة المدنية بما يعرف بالإعذار. يقول خليل : "وأعذر إذا أبقيت لك حجة". ونقتصر هنا على القواعد الفقهية والقانونية المتطابقة على أن نتحدث عن التقاء بعض المبادئ العامة للقانون مع أصول الشريعة السماوية في الفصل الموالي. وإذا كان المفتون الفقهاء ينصرفون إلى إعمال الفكر في البحث عن النصوص والتعليق عليها وشرحها وتطبيقها على النوازل لإرشاد القضاة مما يمكن معه أن نطلق عليهم حسب المصطلح القضائي العصري اسم مساعدي القضاء، فإن القانون الوضعي يعرف مثل ذلك من خلال ما يعرف فيه بالتأويل المذهبي (Interprétation doctrinale) الذي هو مجموعة آراء لرجال القانون واجتهادات تفسيرية للقواعد القانونية يمكن للقضاة أن يستنيروا بها دون أن يتقيدوا بالعمل بها. 14. بين حكم الشريعة وتنظيمات القانون ونستعمل كلمة الحكم بخصوص الشريعة التي أبرزنا خصوصياتها كنظام كامل يحدد واجبات الإنسان نحو ربه، وواجباته نحو نفسه، وواجباته نحو مجتمعه، لأن الله واضعها خص الحكم به فقال : "إن الحكم إلا لله"، وقال : "ألا له الخلق والأمر" ونستعمل كلمة التنظيمات في موضوع القانون لأن القواعد القانونية التي تقيمها المجتمعات هي مجرد تنظيمات محدودة الحجم والمدى بحكم أن لكل مجتمع تنظيماته الصالحة له لمدة، وأنها قابلة للتغيير، وهي بذلك أدنى من حكم الشريعة. فالحاكمية في الشريعة الإسلامية لله وحده، وذلك لا يعني أن الحكم الممارس من خلقه فوق الأرض ذو طبيعة ثيوقراطية، ولكن يعني أن على جنس الإنسان المستخلف في الأرض من الخالق الأوحد أن يمارس هذا الحكم بتفويض منه بمقتضى الأمانة المعروضة من الله التي حملها الإنسان. وبمقتضى ذلك فإن الشريعة الإسلامية التي تحصر الحاكمية في الله لا تقر أن يحكم أحد بدعوى أن حكمه حكم إلهي أو منبثق عن إرادة الآلهة، أو مفوض له من الإله، أو من الله تعالى، مما يجعل الحاكم معصوما وغير مسؤول. "أطيعوني ما أطعت الله"، و"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وكما لا تتفق الشريعة مع الثيوقراطية لا تقر أيضا ما تعتمده الديمقراطية من السيادة للشعب أو الأمة، فالسيادة في الشريعة الإسلامية لله أصلا ومبدأ، وهو الذي يخول لعباده ممارستها ضمن حدود الشريعة ولأجل تحقيق مقاصدها، فليس للشعب أو للأمة أن تقر ما لا تقره شريعة الله. ومن هنا فإن الفرق الأساسي بين حكم الشريعة الإسلامية وتنظيمات القانون هو أن الأول نظام سماوي والثاني مؤسسة بشرية. ولأن حكم الشريعة من صنع الله الكامل، فإن الشريعة كاملة كمال مصدرها، والقانون الوضعي ناقص نقص واضعيه. ومن ثم فلا داعي لتغيير حكم الشريعة "لا تبديل لكلمات الله ذلك الدين القيم"، ولابد من مراجعة القانون وتغييره سعيا إلى إكمال نقصه. إن كمال الشريعة يتجلى في تعدد مجالها، فهي تنظم علاقات الإنسان لا تستثني منها مجالا، إذ يسترسل تطبيق حكمها من تكون الإنسان عبر حياته وإلى نهايتها وما بعد مماته أثناء حياته الخالدة الأخرى، بينما تقتصر على تنظيمات القانون على مجال ضبط سلوك الإفراد والمجتمعات داخل تراب معين بما يجاري الواقع مهما كان هذا الواقع. إن غاية الشريعة الموحى بها إلى رسول البشرية عامة أن تهذب جميع البشر وترفع مستويات سلوكهم إلى قمة المثل الأعلى للخلق والسلوك دنيا وأخرى بينما غاية القانون أن ينظم واقع الجماعة البشرية المحدودة في مجتمع خاص حسب مقتضيات وأعراف ذلك المجتمع، لا يرمي من تنظيمه بالضرورة رفع مستوى سلوكها، ولذلك يقال إن على القانون أن يجاري السلوك لا أن يسبق التطور. وأحيانا يطبق واضعو القانون هذه القاعدة بمجاراة الشذوذ والانحراف. ومن هنا قيل كذلك "إذا تكلم القانون سكت الضمير". ولم يأخذ القانون وجهته نحو تهذيب السلوك إلا في هذا القرن، ومع ذلك لم تتفق المجتمعات بعدُ على نوعية السلوك الصالح متوزعة في ذلك بين مفاهيم شتى، منقسمة بين ليبرالية، وماركسية، ونازية، وفاشية، ومذاهب فلسفية محافظة وإباحية، من أجل ذلك فلكل مجتمع فلسفته ونظامه، وبالتالي دولته وقانونه. أما الشريعة الإسلامية فغايتها واضحة، وفلسفتها قارة وثابتة، هي أن يكون الإنسان فوق هذه الأرض أهلا لخلافة ربه، بسلوك طريق الخلق الأفضل الممثل في سيادة نظام العدل الشامل "ليقوم الناس بالقسط" وهو عدل يتجاوز الحدود والقوميات والأعراق والأنساب والشعوب والألوان، أو في كلمة جامعة يتجاوز حدود الزمان والمكان : "إن أكرمكم عند الله أتقاكم". ولكون القانون يجاري محيطه كان لكل مجتمع قانونه الصالح له في زمن ما القابل للتغيير، وأمكن أن يختلف القانون ويتعارض حتى في الدولة الواحدة ذات المجتمعات المتباينة السلوك، فقوانين الولايات المحلية في الولايات المتحدة الأمريكية تختلف بين ولاية وأخرى، مثلا في التشديد على حقوق البيض على حساب السود، وفي إباحة تعاطي الخمر بولاية وتحريمه بأخرى، أو في إخضاع إباحته وتحريمه لمقتضيات محلية، وفي تجديد سن الرشد، وتختلف بعض القوانين الفيدرالية عن القواعد القانونية المحلية. وقد عرفت تنظيمات القانون التدرج عبر العصور متأثرة بنظريات وفلسفات أفرزها الفكر الحضاري، أما الشريعة فكانت فترة ثلاث وعشرين سنة من عهد الرسول كافية لنزول القرآن منجما ضابطا للأصول والكليات، موجدا الحلول والتنظيمات لما جد من نوازل خلال فترة الوحي. وعقدان من الزمان لا يعدان شيئا مذكورا في حياة الأفراد، وبالأحرى في حياة البشرية التي جاء إليها عامة خطاب الوحي. واستمرارية الشرعية خصوصية أخرى مميزة للشريعة عن تنظيمات القوانين، فهي لا تفقد توازنها أو تتقادم أو تبلى بالتطور الاجتماعي بل بفقدان شرحها وتأويها أي بتعطيل الاجتهاد الذي تحث عليه هي نفسها. ولا يفقد المجتمع الإسلامي توازنه إلا عندما لا يطبقها. ولهذا لم يعرف المسلمون ثوارت على الشريعة بقدر ما عرفت مجتمعاتهم ثورات على عدم تطبيقها، أو تحويل نصوصها عن مقاصدها بتأويل غير صحيح، أو تقاعس المجتهدين عن القيام بواجبهم في تطعيم القواعد الفقهية بالجديد. ولما للقانون من صبغة دنيوية محضة، وللشريعة من مجالات أوسع وأشمل اعتمد الأول على سلطة الزجر والقسر واعتبرها سنده الوحيد فركز على العقوبة والجزاء، بينما اعتمدت الشريعة حيال بعض المخالفات الشرعية حدودا يمكن أن تعتبر زواجر وكفارات لإثم مرتكبها، واكتفت في مخالفة مقتضيات العبادة بالرجوع إلى الله بالاستغفار والتوبة، فحق الله في العبادات لا يحكم فيه قاض ولا يطبق عليه قانون وضعي، وإنما يحكم فيه المرء على نفسه بأداء الكفارة صوما أو إطعام مساكين أو تحرير رقبة. أما حقوق العباد فلابد من الإنصاف برد المغصوب إلى أهله، وإرضاء المغبون، ورفع الضيم عمن لحقه أذى. وإذا كان القانون يعتبر حكم القاضي نافذا بعد استيفاء إجراءاته ويأخذ بمبدأ قوة الشئ المقضي به، فإن الشريعة لا تبرئ أحدا بحكم قاض، وإنما تعتبر شرعيا من الأحكام ما طابق الحق. فالعدل في الإسلام ليس هو القضاء، بل هو الإنصاف. وفي ذلك جاء قول الرسول عليه السلام : "إنما أنا بشر وإنكم لتختصمون إلى وعسى أن يكون بعضكم ألحن بحجته من الآخر، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشئ فإنما أقطع له قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها". وقد يثور بعد هذه المفارقات سؤال : أليس هناك جوامع مشتركة بين حكم الشريعة وتنظيمات القانون؟ والجواب على ذلك بالإيجاب، فبحكم أن الشريعة دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، أي أنها نظام يُبقى على ما يعتبره البشر مطابقا لجبلته الأصلية من قواعد ومبادئ وحتى أعراف سليمة، وبحكم أن القانون الوضعي كان ولا يزال يستمد أصوله من قواعد القانون الطبيعي، فلا عجب أن يلتقيا في مبادئ مشتركة مع فارق اساسي هو أن الشريعة تهذب الفكرة وتوجهها، ولا تُبقى إلا على ما يتفق منها مع مقاصدها، ولأن الشريعة أبقت على قواعد الأخلاق والسلوك المتفقه مع مقاصدها، ولكون القانون الوضعي يعتمد في مصادره جملة من تلك القواعد كان من الطبيعي أن يلتقيا في مبادئ عامة، ونذكر من بينها :
وما أكثر المبادئ التي سبقت إليها الشريعة الإسلامية وركزت عليها تعاليمها في ميادين المساواة والعدل والحريات والحقوق بما فيها حقوق الإنسان التي يعتبر الإعلان الفرنسي والعالمي لحقوق الإنسان قاصرَيْن عن بلوغ شأو الإسلام فيما أقره فيها. ولكن مع ذلك لابد أن نلاحظ أنه رغم هذه الموافقات، فكثيرا ما تختلف مفاهيم الشرعة مع مفاهيم القانون في المبادئ التي تبدو مشتركة في الظاهر، وكمثال على ذلك فإن كلا منهما يركز على مبدأي المساواة والعدل، لكن للإسلام مفهوما خاصا به لضبط المبدأين، فالمساواة الإسلامية لا تنفصل عن العدل، والإسلام لا يسوي بين الناس إلا على أساس معيار التقوى والالتزام بتعاليم الشريعة، وهو لا يفاضل بين الناس مفاضلة العنصرية أو القبلية : "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزيه الجزاء الأوفى" (سورة النجم) وجاء في سورة الزخرف : "أهم يقسمون رحمة بك، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعضهم درجات". وهذه التفرقة بين المساواة و العدل في الإسلام أو هذا الجمع الحكيم بينهما في محتوى إيجابي هو ما جعل بعض المحللين لحكم الشريعة وتنظيمات القانون يستنتجون أن الشريعة تقوم على العدل، وأن القانون يحرص على تحقيق المساواة، وهو تحليل سطحي، لأن الشريعة تقيم المساواة على أساس العدل المطلق، ولا تعادل بين الناس (جميع الناس) على أساس المساواة كما يفعل القانون. والمساواة المطلقة ظلم، لأنها لا تترك ميزة للأفضلية والتنافس فيها. 15. خــــــاتمـــــة ونختم هذ الدراسة بالجواب على هذا السؤال : هل يمكن تطبيق حكم الشريعة في مجتمعنا المعاصر؟ والسؤال موضوع بحدة اليوم أكثر ذي قبل، خاصة بعد بروز الصحوة الإسلامية التي ألفتت إليها أنظار الشرق والغرب، وتقسمت حيالها الأمة الإسلامية نفسها بين مؤيديها ومن يتعاملون معها بحذر. ويقدم خصوم الشريعة عنها صورة مخيفة، وكأنها سجن يطبق عليه الظلام، ويسوده الخوف، ولا تلوح في ظلماته إلا أيادي مقطوعة وحجارات ترجُم، وأعضاء أجسام مقطوعة من خلاف. ويساعد على تركيز هذه الصورة الغربية في الأذهان صورة بعض أجزاء العالم الإسلامي وهي متردية في تقتيل بعضها، وبعض النظم وهي تطبق باسم الشريعة من الأحكام والعقوبات ما لا يتفق مع الشريعة، وتقيم من أنواع الحكم الشاذ ما يوصف بالإسلامي والإسلام منه براء. إن تطبيق الشريعة مرهون بقيام مجتمع الشريعة بوصفها حكما شاملا كنمط عيش، وإذا توفرت لقيام هذا المجتمع شروطه الأساسية أمكن تطبيق الشريعة بحذافيرها، فلا يمكن للنظام الماركسي مثلا أن يسمح في مجتمع الإجماع بوجود الملكية الخاصة وقيام مصارف القروض للخواص، بل إن هذا لا يمكن بالمرة تصوره، كما لا يمكن للنظام الليبرالي ولا يتصور أن يقوم في ظل التنظيمات الاشتراكية، فيؤمم الممتلكات أو يحدد من منافسة الأفراد في الإنتاج والكسب، وهذا نفسه هو ما يتحكم في نجاح تطبيق الشريعة الذي يتطلب قيام مجتمعها. إن الشريعة نظام متكامل، أساسها أن جميع أعمال الإنسان في سلوكه الفردي والجماعي عبادة : فالتكافل الاجتماعي عبادة، والبعد عن الفواحش عبادة، والكد على العيال عبادة : وقد جاء في سورة الذاريات : "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". والرقابة على الأعمال في الشريعة ذاتية، والالتزام حيالها يتحقق بالإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فرأس الحكمة مخافة الله في السر والعلن، وهذا هو الرادع الأكبر، وهو أكثر من مراقبة الضمير، فالإحسان في الشريعة ذروة الإيمان الذي هو أساسها. وحين تسود في المجتمع الشريعة على هذا النحو لا يحتاج إلى تطبيق حدود قطع الأيدي، ورجم المحصن، وجلد شارب الخمر، أو إن احتيج إليها فلمعالجة حالات شاذة. وفي مجتمع إسلامي مارس تطبيق الشريعة تبين بالفعل الاستغناء عن تطبيق الحدود لانعدام الانحراف. وسيظل الانحراف قائما إذا ما ارتأت المجتمعات المدعوة بالإسلامية أن تمارس تطبيق بعض أحكام الشريعة دون أخرى، لأن التيار المدعو بالتحرري سيظل يغذي الانحراف وينميه، ولا يساعد ذلك إلا على ترسيخ محيط يتناقض مع شروط إقامة مجتمع الشريعة. (¹) تهافت التهافت والكشف عن مناهج الأدلة في عقائد أهل الملة لابن رشد. (²) منهاج السنة النبوية (ابن تيمية). (³) شرح القوشجي على التجريد المطبوع على هامش شرح المواقف. (⁴) الإسلام وتقنين الأحكام (محمد أبو زهرة). (⁵) Encyclopedia Universalis volume 3 (الموسوعة العالمية "الجزء الثالث). (⁶) البناني (جمع الجوامع). (⁷) المدخل الفقهي العام الجزء الثاني. (⁸) الموافقات. (⁹) للطوفي شرح على الأربعين حديثا للنووي، وقد تعرض لنظريته هذه عند شرحه لحديث لا ضرر ولا ضرار. االجمعة 21 مارس 2025
| ||
![]() |
بين الشريعة والفقه والقانون (الحلقة 3) الجمعة 21 مارس 2025 |
![]() |
بين الشريعة والفقه والقانون (الحلقة 2) الخميس 20 مارس 2025 |
![]() |
بين الشريعة والفقه والقانون (الحلقة 1) الأربعاء 19 مارس 2025 |
وحدة العالم الإسلامي بين النظرية والتطبيق (الحلقة 3) الجمعة 14 مارس 2025 |
وحدة العالم الإسلامي بين النظرية والتطبيق (الحلقة 2) الخميس 13 مارس 2025 |