الخميس 3 أبريل 2025
العربية | Français ٰ
العربية | Français ٰ

بين الشريعة والفقه والقانون (الحلقة 2)

الخميس 20 مارس 2025

4.الفقه

عرف أبو حنيفة الفقه بأنه معرفة النفس مالها وما عليها. وقصد بهذا التعميم شمول الفقه ميادين الأحكام الاعتقادية ميادين الأحكام العملية. وقد كان الفقه يأخذ هذا المفهوم فعلا قبل شيوع التخصص، ثم ضاق مفهوم الفقه عن المسائل الاعتقادية لتدخل في علم التوحيد وعلم الكلام، وليصبح الفقه علما متخصصا في العبادات والمعاملات. وأخذ الفقه مفهومين :

المفهوم الأول : مفهوم مادي : فهو مجموعة الأحكام الشرعية العملية.

المفهوم الثاني : (وقد ظهر بعد أن أصبح الفقه يشكل علما خاصا) هو العلم بالأحكام الشرعية المكتسب من الأدلة التفصيلية (⁶) فالفقيه هو العالم المتخصص في الأحكام الشرعية العارف بتفاصيل أدلتها الشرعية.

والحكم الشرعي عند الأصوليين هو خطاب الشارع المتعلق بافعال المكلفين. وهو عند الفقهاء ليس الخطاب، بل الأثر الذي يترتب على النص الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا. فالحكم الشرعي بذلك هو ما يترتب على الخطاب من وجوب أو حرمة أو ندب أو كراهية أوجواز. وهي المعروفة بالأحكام الشرعية الخمسة.

ويندمج الاقتضاء والتخيير في الحكم التكليفي، إذ المطلوب فيه من الشارع إتيان المكلف بالفعل أو الامتناع عنه أو التخيير بينهما. أما الحكم الوضعي فلا يتضمن تكليفا، وإنما هو خطاب الشارع بجعل شئ سببا لشئ، أو شرطا له، أو مانعا منه، فالشارع يربط في النص بين سبب ومسبب، أو شرط ومشروط، أو مانع وممنوع، دون القصد لا إلى الاقتضاء ولا إلى التخيير، وإنما للربط الشرعي وجودا وعدما بين السبب والمسبب، أو بين الشرط والمشروط، أو بين المانع والممنوع منه، ولترتيب أحكام فرعية على ذلك الربط.

وبعبارة موجزة إن الحكم الشرعي هو القاعدة المنصوص عليها شرعا وما يترتب عليها من مقتضيات إذا ما أخذنا بتعريفي الأصوليين والفقهاء، وهو ما يشبه ما يعرف في القانون الوضعي بالمبدأ العام والقاعدة القانونية.

وهكذا فجميع نصوص الكتاب والسنة المتضمنة للأحكام الشرعية وجميع ما ثبت من الأدلة الأخرى هي ومقتضياتها أحكام شرعية.

والمكلفون بالأحكام هم البالغون القادرون عقلا وبدنا على تحمل المسؤولية الشرعية المتمتعون بحرية الاختيار : "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" وفي الحديث : "رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يصحو، وعن المجنون حتى يفيق".

وقد أوصل دارسو الفقه الأحكام الشرعية إلى سبع شعب (¹) شعبة العبادات (²) شعبة المعاملات (³) شعبة الأسرة أو ما يعرف في القانون الوضعي بنظام الأحوال الشخصية (⁴) شعبة الحكم والسلطة، وهو ما اشتهر باسم الأحكام السلطانية أو ما يدمج فيما أطلق عليه السياسة الشرعية (⁵) شعبة العقوبات (⁶) شعبة الأخلاق والآداب (⁷) شعبة المعاملات الخارجية مما يدخل في مباحث القانون الدولي بفرعيه الخاص والعام كما سيرى فيما بعد.

5.القواعد الفقهية والآدلة الشرعية

 تتبع الأستاذ مصطفى الزرقاء (⁷) قواعد الأحكام التي اعتمدها الفقه الإسلامي منذ نشأته وخلال مراحل تطوره وامتداده، فصنفها إلى قواعد أساسية إلى أربعين، وأخرى متفرعة عنها أوصلها إلى تسع وخمسين، ورتبها على الموضوعات. وذكر من بين القواعد الأساسية على سبيل المثال :

  • قاعدة اليقين لا يزول بالشك التي تتفرع عنها إحدى عشرة قاعدة فرعية، من بينها الأصل براءة الذمة.
  •  
  • وقاعدة لا ضرر ولا ضرار التي هي في الأصل حديث وتتفرع عنها إحدى عشرة قاعدة من بينها درء المفاسد أولى (أو مقدم) من جلب المنافع.
  •  

وجميع تلك القواعد مستنبطة من أصول الشريعة. أما الأدلة الشرعية فقد اقتصرت في عهد الوحي على الكتاب المنزل والسنة النبوية التي هي أقوال الرسول وأفعاله وتقريراته. وظل هذان المصدران منبعي الأحكام الشرعية، وتم الإجماع على اعتماد حجتيهما إذا ستثنينا مجموعة شاذة لم تسلم بحجية السنة، ولم يكن لها أثر عملي على حركة تطور التشريع الإسلامي وإغنائه بنصوص السنة بعد الكتاب، كما وقع الاختلاف بين الفقهاء على حجية مصدرين آخرين اعتبرهما الجمهور أساسيين، هما الإجماع والقياس. وبرز خلاف بين الفقها حول المصادر الفرعية التي هي الاستحسان، والمصالح المرسلة، والعرف، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي.

6.نشأة الفقه وتطوره داخل المذاهب

إذا لم تكن حاجة إلى تشريع الفقهاء في عهد الوحي، فإن الرسول مع ذلك كان يشجع الصحابة على الاجتهاد فيما لا نص فيه من الكتاب والسنة، خاصة من كان يكلفهم بمهمة نشر الدعوة خارج مركزها الرئيسي، أو من كان يعهد إليهم بإدارة الأمصار، فقد أرسل معاذ ابن جبل إلى اليمن، وأذن له بالاجتهاد برأيه، وأشاد بمبادرته عندما قال معاذ : "اجتهد رأيي" فقال عليه السلام : "الحمد لله الذي وفق رسول الله إلى ما يرضاه الله ورسوله".

ومع امتداد رقعة الإسلام على عهد الخلفاء الراشدين، وخاصة بعد انتقال الخلافة من المدينة إلى دمشق فبغداد، اشتدت الحاجة إلى الاجتهاد في التشريع لمواجهة المسلمين نوازل وقضايا مستجدة وجدوها قائمة في المجتمعات التي اعتنقت الإسلام أو اتصلت به بعلاقات.

وفي العهد الأول ظلت المدينة عاصمة الشرع الإسلامي المؤتمنة على أحكامه، فما أجمع عليه علماؤها اعتبر مرجعا لا محيد عنه، وما اختلفوا فيه أخذ فيه بالراجح والأقوى.

إن مدرسة المدينة الفقهية نشأت من الأحكام التي اعتمدها الصحابة المخضرمون أي من عايشوا الرسول وظلوا بعد وفاته بالمدينة. وقد اشتهرت مدرسة المدينة باسم أهل الحديث، ثم أغنيت بعمل فقهاء من التابعين الذين مزجوا بين الحديث والرأي، ممن عرفوا بالفقهاء السبعة، ونسب عصرهم إليهم.

وقد أغنيت الأدلة الشرعية منذ هذا العهد بمصدري الإجماع والقياس، ولكن تقسم الفقهاء المجتهدون بين أهل الحديث وأهل الرأي. وكانت المدينة ثم مكة مركز المذهب المالكي وعلى رأسه الإمام مالك إمام الحرمين، وكان يميل إلى اعتماد الحديث ما أمكن قبل الرأي. وكان بالكوفة فبغداد مذهب آخر على رأسه الإمام أبو حنيفة، وكان يعمل بالرأي ما أمكن دون أن يغفل الحديث.

واعتمدت المدرستان حجية الإجماع على اختلاف في تحديد مفهومه، فقد كانت مدرسة المدينة تحصره في عمل أهل المدينة، وكانت مدرسة الكوفة توسع دائرته إلى إجماع المسلمين أو أغلبيتهم حيثما يوجدون. أما بالنسبة للقياس فقد لجأ إليه بكثرة أهل الرأي حتى لضبط افتراضات منها ما هو صعب الوقوع، واستعمله أهل الحديث بنوع من الحذر والتحري فيما فرض عليهم من مستجدات.

ومن المدرستين انحدرت المذاهب الأربعة المشهورة التي اعترفت الأمة الإسلامية بدور القيادة والإمامة لقادتها. وليس بينها في الحقيقة خلاف حول الشريعة الإسلامية الثابته أصولها بالكتاب والسنة، وإنما جاءت اختلافاتها في الفروع الفقهية نتيجة الاجتهاد واختلاف طرائقه وتقنياته، ومراعاة كل مذهب لواقع المجتمعات التي ساد فيها هذا المذهب أو ذاك، وهي كما قال عنها الشاطبي : (⁸) "إن الشارع لم يورد في الفروع إلا قولا واحدا، ولم يقصد وضع حكمين مختلفين في موضوع. واختلاف المجتهدين المشروع لا ينافيه، لأن اختلافهم جاء في طلب الحكم الذي أراده الشارع".

وقد أضاف الشاطبي إلى ملاحظته   الدقيقة هذه الأسباب التي دعت إلى اختلاف المذاهب الفقهية وحصرها في عشرة ترجع كلها إلى تأويل النصوص الشرعية عندما تكون النصوص محتملة للتأويل، لدوران اللفظ فيها إما بين الحقيقة والمجاز، أو التخصيص والتعميم، أو دوران النص بين الاستقلال بالحكم وعدمه، أو لدعوى النسخ أو عدمه، أو لاختلاف الرواية، أو لكون اللفظ مشتركا أي دالا على أكثر من معنى فيحمله كل مجتهد على أحد معانيه.

وكان الفقيه الأندلسي أبو محمد عبد الله البطليوسي قد شرح هذا كله قبل الشاطبي في كتابه "الإنصاف في الأسباب التي أوجبت الاختلاف" وحصرها في ثمانية. وألفت في هذا الموضوع كتب عدة، حتى أصبح هذا الموضوع علما متميزا دعي بعلم الخلاف العالي.

وقد استمر عهد المدارس الفقهية من عهد الخلفاء الراشدين إلى أوائل القرن الثاني الهجري (القرن الثامن الميلادي) وخلاله استقر الفقه في علم خاص، واستعمل فيه المجتهدون آليات الرأي أو الأدلة النظرية، فعني الفقه بذلك وارتفع من المجال الواقعي المحدود إلى ا لمجال النظري حتى لضبط الحالات الافتراضية. وخلال القرن الثاني الهجري وإلى منتصف القرن الرابع ازدهر الفقه بازدهار الحياة الحضارية التي عرفتها الخلافة الإسلامية في المشرق على عهد الدولة العباسية. وقد كثر في هذا العهد التدوين العلمي وأخذ فيه تدوين الفقه مكان الصدارة بجانب تدوين الحديث ودراسته متنا ورواية.

ومن منتصف القرن الرابع الهجري وإلى نهاية القرن الثامن أخذ الفقه في المشرق ينحدر لينحصر اجتهاده في الفروع. وكان طبيعيا أن يتقلص دوره في ظل تقلص الفكر بصفة عامة لما طرأ على الدولة الإسلامية حامية الفكر ومشجعته من تجزئة وانحسار، فانطلقت الدعوة، بل الفتوى بسد باب الاجتهاد، أو على الأقل الاقتصار على اجتهاد محدود الحجم والمدى. وفعلا سُد باب الاجتهاد وساد النقل والتقليد.

وقد انتشر بالمغرب المذهب المالكي بسبب رحلات المغاربة إلى الحج، حيث كان الحجاز -كما قال ابن خلدون- منتهى أسفارهم، وكان الإمام سحنون أول رائد للفقه المالكي.

وفي عهد المرابطين كان عبد الله بن ياسين مالكي المذهب فنشر الفقه بالمغرب وإفريقيا، ومارس النفوذ في ظل الدولة فقهاء كان فيهم من تطرفوا فأشاروا على الأمير علي بن يوسف بإحراق كتب الغزالي وابتعدوا عن استعمال الاجتهاد والرأي، الشئ الذي تداركه الموحدون بعودة فقهائهم إلى الاجتهاد، وبإفساحهم المجال لانتشار العلوم الفلسفية والعقلية.

ومنذ القرن الثامن الهجري عادت في الشرق الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد من جديد وتزعمها ابن تيمية وابن قيم الجوزية، وكان قوامها العودة بالاجتهاد إلى الاستقاء من ينبوعي الكتاب والسنة والتحرر من الخرافات والبدع، ومن التقليد، اقتداء في جميع ذلك بالسلف الصالح.

ولم تجد هذه الدعوة استجابتها إلا في القرن الثاني عشر الهجري على يد الحركة الوهابية في الحجاز، وفي القرن الثالث عشر بظهور الحركة السلفية في مصر، وما كان لها من صدى بعد ذلك لدى علماء المغرب العربي، وما يتردد اليوم بيننا ضمن تطلعات الصحوة الإسلامية التي تريد للإسلام أن يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

وقد كان للدعوة الوهابية صدى في المغرب، إذ صادفت عهد السلطان المولى سليمان الذي كان إلى جانب علمه وفقهه سلفيا إصلاحيا، وقد تلقى تربيته عن والده السلطان محمد بن عبد الله أحد علماء السنة في عصره.

وكان للدعوة السلفية في مصر صدى في المغرب كذلك، حيث كانت السلفية المغربية مهيأة لتقبلها بعد أن طرح علماء المغرب للنقاش مسألة التوسل بالأولياء. ولكن الشيخ أبا شعيب الدكالي هو الذي نقل –بعد عودته من مصر إلى المغرب- المذهب السلفي وكانت له فيه جولات وأصبح له تلاميذ وأتباع.

7.ميادين الفقه وميادين القانون

ومما لا شك فيه أن تشريع الفقه يعد ثروة بالغة التنويع رصد الفقهاء نوازلها ضمن رقعة العالم ألإسلامي التي امتدت شاسعة بالفتح الإسلامي، مما جعل الفقه الإسلامي يعالج جميع القضايا المجتمعية بصفة عامة، كما عالجها ويعالجها القانون الوضعي بفروعه المتعددة، وبالتالي تجاوز الفقه أحكام العبادات والمعاملات ليشمل جميع فروع النظام القانوني، سواء منه الخاص الداخلي أو الخاص الخارجي، أو العام بقسميه الداخلي والخارجي كذلك.

ففي ميدان القانون الخاص الداخلي يحتوي الفقه القانون المدني بجميع فروعه، وهو ما يندمج في معاملات البيع والإيجار والرهن والمساقاة والهبة والوديعة وغير ذلك، وما يتعلق بالأحوال الشخصية وشؤون الأسرة، كالزواج والطلاق والإرث والنفقة. وقد اهتم بهذا الجانب الفقهاء اهتماما بالغا.

وفي نفس الميدان يحتوي الفقه كذلك القانون التجاري، وهو ما حفلت به الدراسات الفقهية في أبواب الزكاة والمضاربات والسلم والتفليس والحوالة والبيوعات والقراض والشركات.

ومن بين فروع القانون الخاص الداخلي يضم الفقه قانون المسطرة المدنية، وهو مجموعة من القواعد التي تتناول التنظيم القضائي في الدولة، وعمل السلطة القضائية، وتحدد أنواع المحاكم واختصاصاتها والإجراءات المتبعة في رفع الدعاوي والفصل فيها والطعن في الأحكام الصادرة عن المحاكم وكيفية التنفيذ. وقد افاض علماء الإسلام في بحوث الدعاوي والبينات والإفتاء والشهادة والقضاء والحسبة والوثائق.

وفي نطاق القانون الخاص الداخلي يحتوي الفقه قانون العمل الذي ينظم العلاقات القانونية بين العمال وأرباب العمل ويضع قواعد الرعاية الاجتماعية. وقد نشأ هذا النوع حديثا في القانون الوضعي وسبق الفقه ذلك، مما أفاض فيه علماء الفقه في أبواب الإجارة والجعل وشركة الأبدان وأبحاث الزكاة والكفارات.

أما ضمن نطاق القانون العام الداخلي فيحتوي الفقه القانون الجنائي مما يدخل في أبحاث الفقه في الجنايات والقصاص والحدود والتعزيزات. كما يحتوي القانون الدستوري الذي يحدد شكل الحكم وتنظيم السلطات العامة فيه، مما خصص له الفقه أبحاثا وتنظيمات فيما عرف بالأحكام السلطانية، ويحتوي القانون المالي، مما تعرضت له كتب الأموال والخراج. وعالج الفقه التراتيب الإدارية التي يدمجها القانون الوضعي في القانون الإداري.

وقد احتوى الفقه كذلك القانون الدولي بفرعيه العام والخاص، حيث ضبط الفقهاء أحكام المعاهدات وقواعد علاقات دار الإسلام بمن تربطها بها اتفاقات، كما وضعوا قواعد لعلاقات المسلمين بالمتساكنين معهم، مما تحفل به كتب السير والجهاد مقسمين أصنافهم إلى ذميين، ومستأمنين، وحربيين، ومحددين مسطرة التقاضي بينهم وبين المسلمين، وما يلزمون به من أحكام الإسلام، وما يطبق عليهم من الحدود والعقوبات.

وقد لاحظ الدكتور عبد الرزاق السنهوري في كتابه "مصادر الحق في الفقه الإسلامي" أن القانون العام في الفقه الإسلامي أقل تطورا من القانون الخاص، وأنه لا يزال في مراحله الأولى، وأن السبب في وقوف القانون العام عن التطور يرجع إلى قيام حكومات مستبدة متعاقبة في أقطار الإسلام، كانت مهمتها إخماد أي حركة فقهية تقيم أصول الحكم على أسس من الحرية السياسية والحقوق العامة الديمقراطية. أما القانون الخاص في الفقه الإسلامي فقد تقدم تقدما كبيرا لأن الحكومة المستبدة لم يكن يضيرها تقدمه.

والذي كان ينبغي للدكتور السنهوري أن يضيفه هو أن ما لاحظه بخصوص القانون الدستوري لم يكن خاصا بالإسلام، فالغرب لم يتطور فيه هذا القانون إلا خلال القرن العشرين.

8.رصيد الإفتاء الفقهي

من مميزات القضاء في الشرع الإسلامي استئناس القضاة بآراء الفقهاء المفتين في القضايا التي تعرض عليهم، فالقاضي باعتباره منفذا للأحكام الشرعية، لا منظرا ولا مشرعا لها يستعين بالفتاوي الفقهية التي تقدم إليه من طرف الخصوم، وهؤلاء المفتون يعتمدون فيها على آراء الأئمة من الفقهاء المتخصصين في قضايا الشريعة الإسلامية.

وقد ظل القضاء في المغرب يجير للقاضي اعتماد فتاوي العلماء إلى أن دونت الأحكام الشرعية في المدونة الخاصة بكل فرع من فروع الفقه واستغني بذلك عن الإقتاء.

وكما كان الاجتهاد لا يمارس إلا إذا توفرت للمجتهد شرطان : التمكن من فهم الشريعة، والتمكن من ملكة الاستنباط فيها فإن الفتوى الشرعية منضبطة بشروط معروفة لدى الموثقين، أهمها أن يكون المفتي عالما ملما بالفقه حسن النية لا يرقى إليه الشك في حسن السلوك، يعرف واقعة الإفتاء وأعراف البلاد وتقاليدها.

وقد يكون المفتي مجتهدا فيلتزم بأصول الاجتهاد، كما قد يكون مجتهد مذهب فيلتزم بمذهبه. أما إذا كان يتبع شواذ الأحكام والحيل الفقهية فيمنع من الإفتاء. وحين يكون في مستوى مجتهد المذهب. فإن دوره ينحصر في مقارنة أقوال علماء المذهب بعضها ببعض وفي ترجيح بعضها على الآخر، وفي التدليل على انطباق نص من النصوص المعروفة في المذهب على النازلة موضوع الفتوى.

وعرفت أقطار المشرق نظاما آخر للإفتاء يعرف بالفتوى الديانية أي الحكم الذي يوافق حكم الشرع وحكم القاضي الذي يحكم بالظاهر فقط، فيكون حكم المفتي تحليلا لما منعه أو حرمه الظاهر.

وعرفت في عهد العثمانيين وظيفة المفتي الأكبر أو شيخ الإسلام، وكان يستفتيه الخليفة في أمور الدولة لتكون على النهج الشرعي دون الخروج عنه. ولم يعرف هذا النظام في المغرب، وإنما كان خلفاؤه وملوكه يستفتون عامة العلماء المؤهلين في كل ما يقدمون عليه من الأمور.

ومن حصيلة الفتاوي تكون رصيد فقهي سجل بعضه في كتب النوازل والمعايير، وبعضه ضم إلى وثائق المحاكم أو ظل منسيا في وثائق الخواص.

9.ضرورة تدوين الفقه

مع توسع الفقه فإنه يظل يبدو قاصرا أمام القانون حتى في الدول الإسلامية لإنه يعاني أزمتين خطيرتين :

الأولى : أزمة وجود قوانين أجنبية بجانبه يمنع تطبيقها في العالم الإسلامي تطبيقه الكلي.

والثانية : عدم تدوينه.

وبدون هذا التدوين يظل الفقه صعب المنال حتى على أهله وذويه، إذ يصعب حتى على القضاة الإلمام بأحكامه وحصيلة اجتهاداته، في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى معرفة الراجح والمرجوح فيما هم مطالبون به من اجتهادات قضائية.

وفي عهد السرعة المذهلة التي تميز عصرنا لم يعد في الإمكان أن يعود منتجع الفقه –كما احتاج ذلك- إلى أمهات الكتب التي يستدعي ارتيادها النفس الطويل والصبر الجميل.

لذلك أصبح من الضروري الملح أن يدون الفقه في شكل متطور يسهل الرجوع إليه مواد مرتبة على غرار ترتيب مواد القانون.

وقد شعر فقهاء المسلمين بهذه الضرورة منذ قديم، فصدرت عن ابن جزي مبادرة حميدة تجلت في كتابه "القوانين"، ولكنها لم تقيض لها المتابعة. وقام بعض الفقهاء المعاصرين بسعي مشكور لجمع القواعد الفقهية وتصنيفها كما أشرنا إلى ذلك، إلا أن تدوين الفقه وتبويب قواعده مرتبة على فروعه ترتيبا ينتظم أحكامه مادة فمادة هو السبيل المفضي إلى الاستفادة منه وتطويره.

الخميس 20 مارس 2025

أخبار و أنشطة و منشورات
السيرة الذاتيه

نبذة عن حياة الفقيد الأستاذ عبد الهادي بوطالب

رسالة وأهداف

مؤسسة عبد الهادي بوطالب للثقافة والعلم والتنوير الفكري

مقالات وندوات
مؤلفات
المركز الإعلامي