الخميس 3 أبريل 2025
العربية | Français ٰ
العربية | Français ٰ

بين الشريعة والفقه والقانون (الحلقة 1)

الأربعاء 19 مارس 2025

نقدم بمناسبة شهر رمضان الكريم، هذه المحاضرة القيمة للأستاذ عبد الهادي بوطالب، على حلقات وقد قدمها الراحل في سنة 1987، حين كان مديرا عاما للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة.

  1. الشريعة، والشرع، والشرعة

وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية كلمات الشرع، والشرعة، والشريعة. وهي تلتقي في نطاق اشتقاق لغوي واحد حول معنى مشترك كما هو المعتاد غالبا في الاشتقاق العربي، ولكن كل واحد من تلكم الكلمات تنفرد بمدلول خاص يبعدها عن الترادف.

وهي تشير مجتمعة إلى ما يؤلف صورة اجتياز طريق مؤدي إلى نبع صاف يُرتوى من مائه النافع لغلة الصادي.

فيقال شرع البيتَ شرْعا أقامه على طرق نافذ، وشَرَع الماشية أوردها الماء، وشَرْع الطريق إقامته للسير عليه واجتيازه، والشرع في الماء شُرْبه بالكفين.

أما الشرعة فيه الطريق أو المنهاج المؤدي إلى مخرج.

والشريعة هي في ذات الوقت طريق ومنهاج ومنبع يُشرع منه أي يُرتوى.

وفي السياق القرآني تفيد الكلمات الثلاث مدلولات تنطلق من هذه المنطلقات وتتسع بالإضافة إليها، فتصبح مصطلحات دالة على معان متميزة، كجميع المصطلحات التي تظل رغم تنوعها متصلة بأصولها ممتدة الفروع والأفنان.

وقد جاء في القرآن الكريم بخصوص الشرع في سورة الشورى : "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك" الآية.

وفي نفس السورة : "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله".

وجاءت كلمة الشرعة في سورة المائدة : "ولكل جعلنا منكم شِرعة ومنهاجا".

وورد ذكر الشريعة في سورة الجاثية في مخاطبة الرسول عليه السلام : "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها".

ومن السياق الذي تنتظم فيه الكلمات الثلاث في الخطابين القرآني والنبوي يبدو تميز كل منها بمفهوم خاص. فالشرعة الواردة في الآية عامة لم يخص الله بها قوما ولا زمانا ولا مكانا (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، ولكن الشريعة جاء ذكرها في الآية مسبوقا بجملة "ثم جعلناك على شريعة" ليفيد ذلك أن الشريعة المتحدث عنها جاءت بعد تلك الشرع المختلفة المتوالية عبر العصور لتكون النهاية، وليخص الله بها محمدا نبيه مفضلا بذلك إياه على سائر الأنبياء والمرسلين.

فالشريعة هي مضمون الديانة الإسلامية التي يختلف مفهوم الدين فيها عن مفهومه في اليهودية والمسيحية. وهي ليست طقوسا، وليست شعائر دينية فقط، ولكنها كذلك توجيهات وقوانين وتشريعات يعبر عنها بالأوامر والنواهي الإلهية. وهي تتناول حياة الإنسان منذ تكونه نطفة في رحم أمه إلى وفاته وإلى ما بعد موته، سواء فيما يتعلق بحياته فردا، أو حياته في مجتمعه، أو في علاقاته الأسروية، وأخيرا في صلاته المستمرة بخالقه. إنها تهيمن على المجتمع الإسلامي عقديا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا موضحة لكل فرد وجماعة الواجبات والحقوق، محددة ما لهما وما عليهما في تفصيل جازم، معتمدة في توجيهاتها على الفطرة البشرية السليمة وما حبا الله الإنسان من نعمة العقل والوجدان ليحيا حياة سعيدة.

ولأنها هي هذا النمط المتميز الذي يؤلف نظاما كاملا فقد أعلن الله لنبيه أنه قد بعثه مهيمنا على طريقة جديدة لنظام جديد للحياة يختلف عن المناهج والشرع السالفة هو الطريق المستقيم الواجب سلوكه، والذي لا يتجنبه ويزيغ عنه إلا من يلج سبيل الهوى والضلال من الجاهلين المغفلين. ولذلك أضاف سبحانه مخاطبا رسوله : "فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون".

إن هذه الآية بصدرها وعجزها تؤكد سمو الشريعة الإسلامية على الشرع السابقة واحتواءها لها، فهي شريعة منقحة لما قبلها، خالدة بتفتحها وصلاحية أصولها للاقتباس منها لمواجهة ما يعترض الإنسان عبر تطوره من وقائع وقضايا.

وهذا النظام المتكامل لا يحتاج إلى تطوير أو تغيير، لأنه تصور كلي جامع محيط لا يختص بالجزئيات.

وبذلك فالشريعة ليست هي "الشرعة"، فهذه مجموعة قوانين وقواعد تستمد أصولها من القانون الطبيعي الفطري الذي أودعه الله في جميع المخلوقات. إن الشرعة مجموعة مقتضيات الفطرة والغريزة، أو هي القانون الطبيعي المنظم لحياة المخلوقات. وبذلك فإن الشرع (بكسر الشين وفتح الراء جمع شِرعة) تنوعت عبر العصور والشعوب والأجيال، وكان منها المتعارف والمكتوب، ومن بينها حتى الموصى به إلى بعض الأنبياء والرسل، ولكن لم تستقر على شكل متكامل تام إلا بظهور الدين الجديد دين الشريعة الإسلامية. كما أن الشريعة ليست هي الشرع الذي يعني ما شرع أي سن من تنظيمات وقوانين للمجتمعات البشرية، أو لحياة الأفراد والمجتمعات، مما يضمن لها استمرار علاقاتها وحقوقها، سواء أكانت تلك التنظيمات ذات أصل ديني، كالشرْع الإسلامي أم لا.

والشرع الإسلامي على هذا ليس إلا جزءا (أو أداة) من الشريعة الإلهية المهيمنة على حياة الإنسان والمجتمعات والقيم والمبادئ والتنظيمات والمؤسسات البشرية.

إن الشرع يخضع للشريعة كجزء منها. وينسب الشرع إلى الله إذا تعلق الأمر بما أوحى به الله إلى أنبيائه المرسلين، سواء في ذلك وحي الديانات اليهودية والمسيحية ذاتي الكتاب، أو ما أوحى به إلى سيدنا محمد عليه السلام أو غير ذلك، مما أشارت إليه الآية الكريمة في سورة الشورى : "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى".

ومن الفرق بين الشريعة والشرع يتجلى أن المسلمين يدينون بالشريعة الإسلامية ولو لم يطبقوا شرعها كاملا، إذا ما اقتضى ذلك موجب كما هو الشأن في الحدود، فقد لا تقطع يد السارق، ولا يقتل المحارب مثلا في بعض المجتمعات الإسلامية، ولا يعني ذلك خروجا عن الشريعة، وإنما يعني تعطل أحكام الشرع في ظرف معين لتحقيق احترام حقوق اجتماعية تقدم على إقامة الحدود التي تدفع بالشبهات. ولهذا أبطل الخليفة عمر حد السرقة عام المجاعة حتى توازن الشريعة بين حقوق الفرد المضبوطة وتعديه على الحقوق العامة. ونهى الرسول أن تقطع الأيدي في الغزو خشية أن يترتب عن القطع ما هو أبغض من تعطيله.

كل من الشريعة والشرعة والشرع لا يعني التشريع الذي هو اجتهاد لتطبيق أصول الشريعة على الفروع غير المنصوص عليها في الأحكام الكلية.

إن التشريع الإسلامي هو مجموعة قواعد لضبط فروع العبادات وأحكام النوازل والقضايا المستجدة في المعاملات الخاصة والعامة بالاجتهاد المستقى من ينابيع الشريعة المنضبط بمقاصدها. وهو اجتهاد بالقياس حين يوجد نص يقاس عليه، أو اجتهاد باعتماد المصلحة حين لا توجد نصوص يقاس عليها، أو هو مراعاة للعرف حين يتوفر العرف الذي لا يتنافى مع الأصول. فالعادة محكمة، والثابت بالعرف كالثابت بالنص، ولكم حيث يوجد نص فلا مناص من تطبيقه على النازلة إذ "لا اجتهاد مع وجود النص". وذلك كله هو مجال علم الفقه.

ولقد اعتمدت المذاهب الإسلامية في اتجاهاتها التحليلية على مفهوم الشريعة في الإسلام، فالله تعالى خلق الكون وجعله خاضعا لأمره ونهيه، وخلق الإنسان وأوحى إلى الرسول شريعته ليسير على هديها حتى ينسجم مع الكون كله وما أراد صانعه من إبراز حكمه فيه.

وهذا ما جعل الغزالي يؤكد على الشريعة باعتبارها أساسا وحيدا للتفكير، لأنها عنده الوحي والحكمة، بينما أكد ابن رشد (¹) أن الشريعة والحكمة لا تتناقضان. وهو أيضا ما جعل الإمام ابن تيمية يرى الشريعة الإسلامية فيما تشتمل عليه من المحاسن، وما تفيض به من الرحمة والعدل، بحيث لا يمكن أن تقوم مقامها شرِعة أخرى لشمولها الأصول والفروع، والظاهر والباطن. إنها عنده الحق لا تباين بين العقل الصريح والنقل الصحيح (²). وهي أيضا المصلحة، وحيثما كانت المصلحة فثم شرع الله. والله تعالى تفضل على خلقه بهذه الشريعة تفضلا مطلقا وليس لطفا واجبا كما يرى الطوسي (³) فلا يجب على الله شئ. ولهذا فالشريعة لا تعارض مصلحة الإنسان. فما كان الله ليعجز الإنسان بشريعة لا تناسب مقتضيات حياته. ويخلص ابن تيمية إلى القول : "إن الشريعة مرتبطة بما أراده الله لعباده [i]من خير وفق قدراتهم وعقولهم وإمكاناتهم" (فاتقوا الله ما استطعتم).

  1. مقاصد الشريعة الإسلامية وخصوصياتها

إن الشريعة الإسلامية تنتظم أحكام الدين والدنيا  وأحكام المعاملات، وهي ذات نزعة وسطية توفق بين التزامات الإنسان الاجتماعية ونزعاته الذاتية، أو أنها توفق بين حاجات الإنسان ومتطلبات محيطه وبيئته الاجتماعية. وبذلك ترضي المجتمع والفرد معا. وأحكامها كلية عمومية التطبيق، تيسر الأمور وتبسطها بمرونة تجعلها تستجيب لمقتضيات التطور والتغيير، كما أنها تجعل الإنسان يتعامل مع خالقه في تعامله مع غيره من مخلوقات الله. ونجمل خصوصياتها فيما يلي : (⁴)

  1. إنها شريعة ذات طبيعة متكاملة روحا وخلقا وتنظيما، مما يجعلها تهيمن على حياة الفرد والمجتمع عقليا وروحيا وماديا.
  2. إنها شريعة الفطرة الإنسانية، فلا تكلف الإنسان بما لا طاقة له به أو ما لا يتأتى له فهمه. وبذلك تتيح للعقل أن يفسر الأحكام ويرجعها إلى أصولها ويطورها حسب المقتضيات.
  3. بما أنها شريعة من عند الله الذي من أسمائه العلم فهي  شريعة تستبطن ذات الفرد وتعاقبه أو تثيبه على نيته وتصرفه فقط، فإنما الأعمال بالنيات، والجزاء يترتب على نوايا الإنسان وعلى سلوكه وعمله.
  4. إن أصول الشريعة ثابتة لا تتغير، أما التشريع الجزئي فيحافظ على روح الأصل ويتطور استجابة للتغير الاجتماعي والأعراف ويراعي المصالح.
  5. إن جميع المؤسسات السياسية والاجتماعية تخضع جميعها لقواعد الشريعة الإسلامية دون تفريق بين السلطتين الروحية والزمنية.
  6. تمزج الشريعة الإيمان بالعمل وتربط بين العبادات والمعاملات ولا تفصل أعمال البشر عن عباداتهم، وبذلك لا تفصم شخصية الإنسان بين المطالب الروحية والمادية.
  7. الشريعة الإسلامية مبنية على النظر والتبصر في أحكام الله الصادرة عن الخالق الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة. فأحكامه معللة بمصالح العباد، إذ لا يفعل إلا ما فيه صلاح خلقه.
  8. بما أن الشريعة من الله فهي شريعة المحاسن تدفع الضرر وتقر اليسارة، وتحقق العدل والمساواة الممكنة، وتكفل الكرامة الإنسانية والحرية التي لا تتجاوز حدها.
  9. الشريعة تجعل الإنسان محور الوجود وجوهر المخلوقات، فتكرمه وتجعله أسمى من المادة الجامدة والحيوان. ولذلك تسخرهما له ولا تسخره لهما.
  10. لأحكام الشريعة مقاصد، هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. ولكل مقصد من هذه المقاصد ضوابط لحفظها واستمرارها ورعايتها.
  11. الشريعة تحدد للإنسان من وراء حياته هدفا، فلا تعتبر أعماله عبثا. فلإنسان يوجد في الحياة ليحقق خلافة الله في الأرض بتعميرها وتحمل مسؤولية البناء الحضاري فيها، وليعبد الله حق عبادته كي يكون سعيدا في الدار الأخرى التي هي العالم الأفضل : "وللآخرة خير لك من الأولى".

"وما الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان".

وأخيرا فالشريعة الإسلامية في كلمة جامعة هي نمط حياة كامل مستوعب مستمر. وهي كما يقول عنها الشاطبي في الاعتصام : "لم يبق الدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات والكماليات إلا وقد بينت غاية البيان. نعم يبقى تنزيل الجزئيات على الكليات موكولا إلى نظر المجتهد، فإن قاعدة الاجتهاد ثابتة في الكتاب والسنة فلابد من إعمالها".

وإذن فالشريعة في الإسلام أعظم اتساعا في صورها من الشرعتين اليهودية والمسيحية، لشمولها العبادات والمعاملات والأخلاق وقواعد السلوك والآداب الاجتماعية والأعراف والتقاليد الخاصة بكل بيئة اجتماعية وفي مختلف الظروف، كما أنها استوعبت عطاءات فكر الإنسان وملل الأمم وتعاليم الأنبياء وأعراف الشعوب وما جاء في الديانات السابقة. ولأن البشرية قد قطعت في بداية عهد الشريعة أشواطا من عمرها، وأصبحت لها قابلية استيعاب هذا النمط المتكامل من التنظيمات، فإن ما جعله الله للأمم من شِرَع ومناهيج قبلها (ولكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجا) كان يمهد لها بالتدرج نحوها (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها).

وفي بعدها الواسع ذاك تولدت عنها علوم. فعنها انبثق علم الكلام وعلم الفقه، سواء منه ما يهم العبادات والمعاملات أي ما يتصل بالسلوك الخاص والسلوك العام. كما انبثق عنها علم التصوف الذي يعالج باطن النفس الإنسانية وطرق تهذيبها وإصلاحها، والعلوم العقلية، والعلوم الدقيقة، والعلوم التجريبية، بالإضافة إلى علوم البيان والعلوم النقلية وما يدخل في علوم القرآن.

  1. بين الشريعة والشرْع السماوية

إن الشريعة الإسلامية تختلف عن الشرع السماوية الأخرى بأنها وحي منزل نسبه الله إلى نفسه : "إنا نحن نزلنا الذكر" لأن الشرعة اليهودية (La loi judaïque) باستثناء ما كلم الله به موسى هي مجموعة فتاوي الأحبار، استمدت قوانينها من أحكام أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يفتون ويحكمون بها لمواجهة القضايا التي تعترضهم دون أن يكون لها دائما أصل ديني في صحف موسى. إنها أحكام قضاة  يراعون المصالح الموقوتة في إصدارها ويغيرونها حسب المصالح أو ما يخيل إليهم أنه مصالح، وهي لا تزيد في قيمتها التشريعية على كونها (كما سميت بذلك- عهدا (Testament) أو "بيريث" بالعبرية. إنها على كل حال ليست وحيا سماويا.

أما القانون الكنسي (Droit canonique) فهو مجموعة قواعد أخلاقية لتقنين النظام الكنسي ولما تواضع عليه أتباع الكنيسة في أحوالهم الشخصية (⁵)، وليس قانونا لتنظيم اجتماعي مدني إلا ما تقتضيه ضرورة المجتمع البشري دون التزام به كقدسية الزواج، واحترام شخصية الإنسان. ذلك أن المسيحية ذاتها لا تعالج قضايا الأحكام الدنيوية التي تتركها لعمل البشر يواجهونها بمقتضيات المصالح الدنيوية واختلاف الأزمنة والأمكنة. يدل على ذلك قول المسيح مخاطبا شخصا شكا إليه امتناع أخيه عن تقاسم ميراث مشترك، "يا إنسان من أقامني عليكما قاضيا ومقسما؟"، ولا كذلك الشريعة الإسلامية التي حدد القرآن الكريم دور رسوله فيها بقوله في سورة النساء : "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شحر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما".

الأربعاء 19 مارس 2025


 

أخبار و أنشطة و منشورات
السيرة الذاتيه

نبذة عن حياة الفقيد الأستاذ عبد الهادي بوطالب

رسالة وأهداف

مؤسسة عبد الهادي بوطالب للثقافة والعلم والتنوير الفكري

مقالات وندوات
مؤلفات
المركز الإعلامي