الخميس 3 أبريل 2025
العربية | Français ٰ
العربية | Français ٰ

وحدة العالم الإسلامي بين النظرية والتطبيق (الحلقة 3)

الجمعة 14 مارس 2025

وحدة  العالم الإسلامي بين النظرية والتطبيق (الحلقة 3)

بعد نقط قوة الضعف هذه التي أشرنا إليها، أئمة عناصر توحيد لهذا العالم الإسلامي؟ وما هي عناصر الوحدة؟

قبل كل شئ أفضل أن أستبعد كلمة الوحدة من قاموسنا اللغوي بالنسبة للعالم الإسلامي، فالوحدة كلمة كبيرة ومعقدة وصعبة التحقيق بين مجموعات بشرية لها كياناتها وخصوصياتها وأنماط عيشها، وإن انتظمت كلها كما قلت في منظومة الإسلام، أو في قيم الإسلام، فلنتحدث على الأقل عن التضامن الإسلامي بدلا من الوحدة، وإن كان الموضوع الذي اقترح علي تضمن في العنوان "وحدة العالم الإسلامي بين النظرية والتطبيق".

هل من عناصر تبرر هذه الوحدة التي يجب أن نفهمها أثناء حديثنا هذا في مدلول التضامن.

إن هناك عناصر موحدة ما في ذلك شك. منها الانتماء إلى رسالة الأسلام الواحدة بما تحتضنه من حضارة وقيم، والتعلق بالدستور الواحد الذي هو القرآن الكريم، والاقتداء بالإمام الواحد الذي هو محمد عليه السلام، والتوجه نحو الوجهة الواحدة : القبلة التي نهفو بقلوبنا وضمائرنا خمس مرات في اليوم أو أكثر، وأداء شعائرنا باللغة الروحية الواحدة : اللغة العربية التي يصلي بها جميع المسلمين ويسعون إلى إكمال دينهم بتلقنها وامتلاكها دون أن نغفل المصير التاريخي المشترك الذي يشد عالم الإسلام إلى ماض واحد، فنحن جميعا عانينا من الاستعمار، سواء باسم الدمج والإلحاق أو باسم الانتداب أو الحماية، سواء كان استعمارنا استيطانيا أو فكريا أو اقتصاديا، كلنا جئنا من نفس الماضي الاستعماري، وعلى ذلك الطريق سلكنا جميعا. فالاستعمار وحد مصيرنا وما خلفه الاستعمار فينا رسخ وحدتنا : التخلف الاقتصادي الذي يتمثل في ضعف الدخل الفردي وفي قلة نسبة الإنتاج القومي الخام، في طغيان الفلاحة التقليدية على الصناعة المتطورة. نفس الظواهر تعم بقية العالم الثالث كذلك، مما جعل منا مجرد سوق استهلاك يصدر مواده الخام لتعود إليه مصنعة جاهزة للاستهلاك لكن بثمن فاحش.

 كالعيش في البيــــداء يقتلــــها الظمـــــــأ

                                          والماء فوق ظهــــــورها محمــــــــــول

ويلتقي العالم الإسلامي في تعميم ظاهرة التخلف الفكري المتمثل في ارتفاع نسبة الأمية التي أشرنا إلى إحصائياتها فيما سبق، وفي الغيبة الكلية أو الجزئية عن ميدان العلم والتكنولوجيا، وفي اجترار بعضه لتعليم لم يعد يلبي متطلبات العصر، وفي تلقين هذا النوع من التعليم بمناهج ووسائل إيضاحية تقليدية عتيقة، وفي تبعية مناهجه التربوية للدول المستعمرة سابقا، واستمرار تبني تلك المناهج حتى ولو عرفت تطورا عند المستعمر نفسه، وفي تأثر غايات التعليم بأهداف التعليم الأجنبي، وفي نذرة الأطر وتكوين بعضها بتوجيه لا يفسح في وجهها منافذ العمل.

وكلنا في آسيا وإفريقيا ندور في فلك الحضارة الغربية بدون القدرة على الأخذ بمقاليدها، وكلنا نوجد في منطقة واحدة خاضعة لتهديدات مشتركة، ونلتقي في نظرة الغرب إلينا بحذر. وحين يتعلق الأمر برصد تقدمنا لحبسه في مستوى محدود يلتقي العملاقان الشرق والغرب على السواء. كما أن لنا طموحا مشتركا، فنحن نسعى إلى بناء المستقبل ونتطلع إلى اكتمال السيادة وإلى التحكم في المصير. وعالمنا هو عالم التجارب الحربية والاقتصادية، فالإنسان المتقدم عندما لا يجري تجاربه الطبية المعلنة على الحيوان، يجري تجارب غير معلنة على شعوبنا، على جنس من البشر يعتبره أرقى من الحيوان ولكن أدون منه هو.

ويلتقي العالم الإسلامي على طريق الماضي المشترك، فكلنا عملنا لنتخلص من الاستعمار ونجحنا كلا أو جزءا، واستعملنا نفس الأساليب، فالمقاومة المسلحة أو الضغوط الدبلوماسية والسياسية أدت إلى نفس النتيجة وهي ذهاب المستعمر وجلاؤه عن أراضينا، وكلنا نلتقي  على درب المستقبل، إذ نطمح إلى تغيير واقعنا الذي لا يرضينا وإن كان هذا الطموح المشترك إلى التغيير يختلف في أساليبه وطرق الوصول إليه بين المدرسة التطورية والمدرسة الثورية، بين من يريدون أن يأخذوا بالأساليب التدريجية الإصلاحية، وبين من يريدون أن يحرقوا المراحل للوصول إلى الغايات بأسرع الطرق والوسائل. من بيننا من يريد أن يحدث تغييرا كميا، وفينا من يريد أن يحقق تغييرا كيفيا ولكن كلنا نسعى إلى التغيير.

إن المدرسة الثورية تريد أن تقوض الأوضاع رأسا على عقب وبسرعة، والمدرسة التطورية تريد تطويق المشاكل للوصول إلى تغيير الوضع تماما، كما تختلف طرق الهجوم على قلعة في ميدان حرب، فقد يعتمد الفن العسكري طريقة للهجوم عليها من فوق بما يكلف ذلك من تضحيات وخسائر، وقد يعتمد تطويقها شيئا فشيئا لنسفها من أسفلها، وعلى كل حال فالهدف واحد، لكننا مع ذلك نختلف في تصوراتنا وتنظيراتنا لما يجب أن يكون عليه هذا التغيير ونلتمس الأسباب والوسائل لتحقيق هذا التغيير ونجهد الفكر لنصل إليه. أيكون هذا التغيير عن طريق بناء القوميات وتحقيق وحدتها، والقومية العربية واحدة منها، أو عن طريق العودة إلى نمط الإسلام في التصورات والتطبيقات وهذا ما يريده ويسعى إليه أنصار الصحوة الإسلامية، أيكون هذا التغيير عن طريق محاكاة الغرب ومجاراته والأخذ ما أمكن من حضارته حتى نتساوى معه ونوازيه، وهذا ما حاوله كمال أتاتورك في ثورته سنة 1923، أم أننا يجب أن نرجع في مصادر التغيير إلى مقوماتنا الأساسية؟ والروحيات منها تلعب دورا أصيلا، أنكون دولا دينية أو دولا لائكية؟

وما يزال الجدال محتدما في الأجوبة على هذه الأسئلة، ولا ينتظر في المستقبل القريب أن يحسم المتخالفون جدالهم.

ولقد تفجرت طاقة الصحوة الإسلامية منذ أن وقع الاعتداء الصهيوني على الحرم القدسي بمحاولة إحراق المسجد الأقصى سنة 1969، ومنذ أن تأسست منظمة المؤتمر الإسلامي وضمت في حظيرتها الدول الإسلامية، ومنذ أن أصبحت هذه الصحوة تتجلى في الاهتمام بالإسلام واعتناق غير المسلمين له أفرادا وجماعات، ومنذ أن أصبح لهذه الصحوة الإسلامية رصيد ثقافي  غزير هو ما كتب عنها بجميع اللغات، وما أكثر ما تحفل به المكاتب وأعمدة الصحف كل يوم من هذا الرصيد.

إن مجموع هذه الظواهر يؤثر لوجود تضامن متنام بين عالم الإسلام وحوله، لا يرقى إلى أكثر من شعور التعاطف والإيمان بضرورة التفاهم والتعاون، وما يزال بعيدا عن الوصول إلى مرحلة الاتحاد أو الوحدة، فعندما نتحدث عن وحدة العالم الإسلامي نتجاوز حدود الضبط والتدقيق على صعيد التنظير لنقع في الأخطاء التي تبتعد بنا عن الواقع الملموس.

والحق أنه لا داعي لأن تكون لنا وحدة إسلامية تطبخ باستعجال وتقدم للاستهلاك قبل نضجها، وقد حفل القرآن الكريم والسنة النبوية بالدعوة إلى التضامن والتآخي "المؤمنون إخوة" وفي الحديث "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" "مثل المؤمنين في توادهم وتحابهم مثل الجسد الواحد إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

وإذا كان تطور الوحدة الإسلامية ما يزال صعبا فهل إن تضامن أقطار العالم الإسلامي سهل ميسور، وإذا لم يكن كذلك فما هي معوقات هذا التضامن اليوم؟

ونجيب على هذا السؤال بأن تحقيق التضامن نفسه ليس بالسهل، إذ تحتف به معوقات خارجية وأخرى ذاتية.

أما المعوقات الخارجية فهي القوى الأجنبية التي ترصد تطور مسلسل التضامن الإسلامي وتعمل لعرقلته، كما رصدت قبله مسلسل التضامن العربي وعملت لشله بإقامة إسرائيل وخلق المآسي التي تلتها، بما فيها مأساة لبنان المؤلمة.

إن أعداء التضامن الإسلامي يعملون جاهدين لدك المعاقل الإسلامية واحدة تلو الأخرى، لقد قسموا باكستان، وأثاروا نزعة القومية في بنغلاديش، وأقاموا جوا من القطيعة بين أفغانستان وجارتيها الإسلاميتين (باكستان وإيران)، وشغلوا الجيران بمشاكل الحدود الموروثة عن الاستعمار والمسطرة بإرادة الاستعمار كما فعلوا في المغرب العربي وتركوا لنا قنابل موقوتة متفجرة عند الأوان، فهناك مشكلة الحدود بين الجزائر وتونس، وبين تونس وليبيا، وبين ليبيا وتشاد، وبين المغرب والجزائر، وبين موريتانيا والسينغال (لولا تعقل الجانبين).

ونقص الاستقلال واستمرار التبعية وتبعية المديونية تضعف استقلال القرار السياسي وتبعده عن الاتجاه في وجهة التضامن. وتأتي التوجهات الفكرية الأجنبية فيما ورثه العالم الإسلامي من فكر الغرب الذي ما يزال مهيمنا على مناهجنا التربوية، فهي لا توحي بالتضامن الإسلامي بقدر ما توحي بالتغرب والانحياز إلى عالم آخر، إذ توجه الفكر الإسلامي إلى قبلة حضارية غريبة، لا علاقة لها بقبلة مكة، فيصبح التوجه إلى القبلة من باب ممارسة الطقوس الدينية لا غير، ويفقد ذلك التوجه إلى الكعبة خمس مرات ما يوحي به من تضامن المسلمين حول اتجاه فكري حضاري موحد.

والتبشير المنظم المسلط على العالم الإسلامي، والتسرب الصهيوني عبر الإعلام العالمي، والتحلل المادي الغربي الذي أصبحت قيمه قيما سائدة في عالمنا كل ذلك يؤلف معوقات لتضامننا ومشوشات تحدث ذبذبات غريبة عن موجات فكرنا الإسلامي.

لكن هناك معوقات ذاتية أولها فقد عالمنا الوعي بالمسؤولية الجماعية، ذلك أن الجيل الحاضر تربى في ظل القوميات الضيقة وفي كنف حضارة الغرب التي كانت إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية متشبثة بالقوميات، وما تزال في سعيها إلى التجمعات الإقليمية تمضي بحذر بالغ. وثانيها فقد الشعور بهذا التضامن في مستوى القرار السياسي، في حين أن عملية التضامن عملية طويلة النفس، وربما لطولها يفضل البعض حل الانكماش والتقوقع أي حل السهولة، مقدما الاعتبارات الآنية على المصالح الكبرى المستقبلية، فلا يخطط إلا للذات في نظرة ضيقة الأفق.

الانحباس في قفص هذه الاعتبارات هو الذي خلق مشاكل بين الجيران المسلمين منطلقها تقدير خاطئ هو أن كل دولة تستطيع أن تبني نفسها لتكون أقوى من جاراتها، وانشغلنا بأنفسنا من غيرنا – من هنا فشلت تجربة المغرب العربي، وفشلت تجارب الوحدة العربية، في حين أنه كان ينبغي أن تنجح، كل شئ يلزم علينا أن تنجح.

ولنقل بصراحة إن العالم الإسلامي اليوم يحتوي تناقضات عدة، وعليه أن يبتعد عن سلوك سبيل المغامرة بإقدامه على محاولات مرتجلة تشبه تلك المحاولات المجهضة التي جربها العالم العربي ففشل فيها.

ولاحتواء هذه التناقضات ينبغي في البداية أن يتفق العالم الإسلامي على تحديد مفهوم للإسلام. ويظهر أننا نفتقد هذا المفهوم الموحد، بالرغم من الإجماع على أن الإسلام هو قاعدة التضامن وسر وجوده وغايته، ولكن اختلاف النظم السياسية يباعد الهوة ويوسع الفجوات بين من يعتبرون شعوبهم إسلامية ودولهم غير إسلامية كأندونيسيا وتركيا، وبين من ينحون الإسلام عن الحكم لمجرد أن الشعب الإسلامي الذي يمثل الغالبية توجد بجانبه أقليات دينية كما في لبنان، ويعطي لهذه الأقلية دور الأغلبية فيحتل ممثلوها بتعسف كبير مراكز الحكم في عملية سياسية لا توازن فيها، بعيدة عن أن تعكس واقع المجتمع الحق.

هذه التناقضات الذاتية الداخلية المكشوفة والمتسترة تتجلى في تعدد المذاهب العقدية، وتعدد المذاهب الفقهية وتترك بصماتها على كل تنظير اجتهادي، وبالتالي على التطبيق الموحد للإسلام الواحد، فالفرق الشيعية على اختلاف فصائلها، والسنية على اختلاف مذاهبها الفقهية، والدروز وهم لا يفصحون عن حقيقة معتقداتهم بحكم أنه باطنيون، كلهم ينتسبون إلى الإسلام، ولهم فيه مواقف ومفاهيم متميزة، وبالتالي سلوكات متنوعة إن الانطلاقة الأولى أن نتفق على المفهوم الموحد للإسلام.

والإسلام اليوم، وبعد إعلان الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت أكثر من امتداد الحرب العظمى والحرب العالمية الثانية يوشك أن ينقسم بين إسلام عربي وآخر عجمي، وأكثر من ذلك، فإن الصدمة التي تخلفها هذه الحرب لدى بعض الأقطار الإسلامية توشك أن يحدث فيها رد فعل عنيف يحملها على أن تحيد نفسها لا عن هذه الحرب وتحالفاتها والتزاماتها، بل حتى عن التضامن الإسلامي الشامل لتقصره على تضامن إسلامي محدود الرقعة، قوامه تضامن مصالح إقليمية مشتركة ضيقة لا تستبعد الإسلام  كعامل للتضامن بالمرة، ولكن لا تأخذ به إلا عندما لا يتعارض مع تلك المصالح، تضامن هش ليس هو التضامن الإسلامي الحق.

من هذه المعوقات أيضا تسرب الإيديولوجيات الغربية إلى مجتمعاتنا، وتسرب المذاهب المنحرفة الخطيرة إلى حظيرة بعض المجتمعات الإسلامية – فلمدة سنوات حكمت أقلية البهائيين إيران، وما يزال القاديانيون يحاولون فرض وجودهم في أرض الطهارة (الباكستان) رغم مقاومة الحكومة لهم، الباكستان التي تصدق على أهلها الآية الكريمة : "الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله" إنها دولة اختارت الإسلام دينا ونمط حياة وعبأت قوتها حول هذا الدين في إيمان لا يتزعزع به.

والمعوق الأكبر الآخر الذي تفرزه المعوقات السابقة هو الصراع الذاتي، ففي منطقة الشرق الأوسط العربية يبدو الصراع العربي – العربي مخيفا بما دخل معه العالم العربي في باب مسدود.

ومن المعوقات الذاتية فقد قاطرة قيادة التضامن الإسلامي، والمفروض أن يأخذ العرب دور القيادة، وهو دورهم التاريخي، لكن العالم العربي مصاب بالشلل منهوك بالعجز، إنه يوجد اليوم في مأزق، ويقدم عن نفسه صورة مزرية لبقية أجزاء العالم الإسلامي. لقد قالت الكاتبة الاقتصادية الاجتماعية الكويتية "إن العالم العربي يشبه سيارة توقفت بطاريتها في الصحراء، وانقطعت عن العالم أخبارها". وقال عن ذلك بهاء الدين أحد كتاب الشرق الأوسط الدائمين "إن عقل العالم العربي قد دخل في إغماء (كوما) حضاري"، وكتب آخرون "إن هذا العقل قد انفصل عن جسمه وتسلل خفية في ظلام الليل، وغادر مطار العروبة الدولي على أول طائرة ولم يترك عنوانه". ويمكن القول كذلك "إن العالم العربي مصاب بسيدا فكرية فقد بها مناعته، ومازال لم يبحث لا عن دواء ولا عن تلقيح. ويظهر أنه من الصعوبة أن يحصل على هذا الدواء أو هذا التلقيح في الأمد القصير على الأقل".

من المؤسف أن العرب لم يحسنوا في الوقت المناسب أخذ قيادة العالم الإسلامي الذي كان يتطلع إلى ذلك أو على الأقل لا يعارض فيه، وأنهم أضاعوا الفرصة التي أتيحت لهم سنة 1969 عندما جاء العالم الإسلامي رافدا لهم ومؤيدا لحقهم وساندهم بدون شرط وبلا مفاوضة في المحافل الدولية، وكان ذلك في عهد ازدهارهم المالي، حيث كانت الدول العربية تتحكم آنذاك في أسعار البترول، وكان من واجبها أن تغدق على العالم الإسلامي المحتاج معونتها. ولكن تعثر الحوار العربي الإفريقي، وكانت غايته عند الأفارقة الاستفادة من المال العربي لتحقيق التنمية، وبالتالي لتحقيق التضامن الحق.

منذ قمة الرباط الإسلامية سنة 1969 استمر خطاب التضامن السياسي على وتيرة واحدة، ووقع الاكتفاء بتصريحات وبلاغات واجتماعات وتوصيات وعقد مؤتمرات تحت شعار التضامن السياسي الإسلامي. وببساطة اعتبر أن ذلك يكفي لتفجير هذا التضامن. في حين أن الطريق الموصل إلى ذلك هو تنمية الإنسان أولا، تنميته فكريا وثقافيا، واقتصاديا. فالتنمية إما أن تكون شاملة أو لا تكون. وعيب الخطاب السياسي هو قصر مفهوم التنمية على البعد الاقتصادي وحده، بل حتى قصوره عن هذا المفهوم نفسه واختصاره في مفهوم التكديس المالي الذي يكون أحيانا لفائدة الأشخاص لا لفائدة الدول، في حين أن الإسلام شمولي النظرة. فإذا ما استبعد المعطى الفكري عن هذه التنمية الشاملة أو اعتبرت التنمية الثقافية بمثابة العجلة الرابعة للعربة ضاعت الثقافة. وبالتالي ضاعت معها الهوية، وبالتالي افتقد التضامن، إذ لا تضامن إلا حول خصوصيات مشتركة.

الخطاب السياسي ركز على التضامن السياسي من أعلى محاولا بناء هذا التضامن في شكل تنسيق بين سياسات الدول الإسلامية حول موضوعات ومحاور هي ميادين متغيرات لا ميادين ثوابت، ولمعالجة سياسة ظرفيه فقط. وبين سنة 1969، حيث نشأت منظمة المؤتمر الإسلامي وإلى سنة 1982 ضاعت ثلاث عشرة سنة لم تنشأ فيها منظمة قوية للتنمية الفكرية الإسلامية المشتركة وللتوصل الفكري الذي هو أساس التضامن السياسي، في حين تأسست منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 وتأسست اليونيسكو سنة بعدها في نوفمبر 1946. كان مرد ذلك نظرة قاصرة تتخطى المجال الفكري وتحاول أن تقفز عليه إلى الميدان السياسي، ولكن كانت  قفزة في الفضاء أو في الفراغ، تأسست مراكز مبعثرة تحمل أسماء أفخم من محتواها ووسائلها، وكثرت هذه المنظمات المتناثرة العقد، ثم فكر أخيرا وفي سنة 1982 في إحداث المنظمة الإسلامية (الإيسيسكو) بعد مخاض طويل، وبعد تساؤلات هل تكون أو لا تكون؟، وبعد تحفظات منها من جانب بعض الدول الإسلامية، وبعد تنافسات على من يحتضن مركزها. فلماذا كل ذلك هل يرجع ذلك إلى فقد الوعي بضرورة بناء صرح التضامن الشامل الذي لا يمكن أن ينبثق  إلا عن تضامن فكري وحضاري؟. هل يرجع إلى أن التربية والعلم والثقافة لا تشكل عند أغلبية الدول الإسلامية أولوية الأولويات؟ هل أن مستوى الفكر السياسي في عالمنا لا يرقى إلى تصور احتواء البعد الثقافي وضرورة توظيفه كأساس لعملية التضامن السياسي؟ هل يعود إلى أننا نلتمس تحقيق أعظم الأهداف بأضعف الأسباب، ونفضل الطفرة مهما كانت عواقبها على السير المتأني الرزين؟.

إن منظمة الإيسيسكو حاولت تدارك هذا النقص وسد هذا الفراغ، لكنها اصطدمت وتصطدم بالواقع السياسي للعالم الإسلامي، واقع التفرق والصراع، وتصطدم بتصور آخر لعلاقات التعاون بينها وبين المنظمات الفرعية التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وتصطدم بسلوك يترجم عند بعض الدول الإسلامية ذهنية إيثار المنظمات الأجنبية العالمية بالدعم والمساعدة نتيجة عقدة النقص والانبهار، وتفضيل كل ما هو أجنبي على ما هو قومي، وما هو خارجي، على ما هو محلي، وتصطدم بشعور الخوف من الفقر الذي أصبح ينساب بعض الدول الغنية فيقعدها عن الوفاء بالتزاماتها المادية حتى عندما يتعلق الأمر بالزهيد من الموارد. وهذا في الوقت الذي تلقى فيه المنظمة التشجيع والدعم من الدول الإسلامية الفقيرة أو المحدودة الموارد التي تعي نبل الأهداف والمقاصد المتوخاة من المنظمة، وتدرك الحاجة إلى الاستفادة منها.

وتستنج بعض دول العالم الإسلامي استنتاجا خاطئا من أزمات المنظمات العالمية أن جميع المنظمات الإسلامية لابد أن يكون لها نفس المصير وأن تدخل في نفس الأزمة متناسية أن أزمات المنظمات العالمية ترجع لأسباب أخرى.

إن مذهبية الإيسيسكو وتنظيراتها أصبحت تؤلف رصيدا فكريا غنيا منذ خمس سنوات وهي تترجم إلى الواقع ذلك التنظير الفكري من خلال خطط ثلاثية قوامها برامج محددة الأهداف، مضبوطة خطوات تنفيذها. وإذا لا تملك وسائل سياستها فإنها تقتصر بكل أسف على سياسة الوسائل.

إن إيجابيات التضامن الإسلامي وسلبياته ومعوقاته التي أشرنا إليها تطرح الإشكالية التي أريد لمحاضركم أن يجيب عنها، هل هناك فعلا تعارض بين النظرية والتطبيق؟ أو أن التطبيق سيظل حلما تتبخر على الاستيقاظ منه النظرية وتذوب في جملة ما لم يحققه التاريخ من أحلام، وما خيب من آمال وتطلعات داعبت أفكار المصلحين والمجددين والثوريين.

لابد لاحتواء الإشكالية المطروحة من استبعاد عنصر أساسي أشرت إليه فيما سلف وهو عنصر الوحدة. فالتنظيم الوحدوي بالمعنى القانوني والدستوري للكلمة ليس من الضروري أن يتبناه العالم الإسلامي في مرحلته الحاضرة، ذلك لأن له بعدا آخر أقوى وأمتن وأكثر رسوخا، إذ أن الجامع المشترك لهذا العالم هو الإسلام بما يحتويه من قيم وسلوك، هذا الإسلام لم يفرض لتواد المؤمنين وتحابهم وتعاطفهم أي شكل من أشكال الحكم وفقا لمنهجه الشمولي الكلي الذي يقف فيه الإسلام دائما عند الأصول ويدع الفروع لاجتهادات فكرية وفقا لتطورات المجتمعات ومتطلبات حياتها. فقد قامت الرابطة الإسلامية في عهود الإسلام الزاهرة على عدة أشكال، ولم تتحكم فيها صيغة دستورية واحدة، وتوحد العالم الإسلامي فعلا دون أن يقوم توحده هذا على رابطة الوحدة لا البسيطة ولا المركبة، ولم تتم صياغة هذا الاتحاد في شكل فيدرالية أو كونفيدرالية، لكن قام فعلا تضامن إسلامي تاريخي حول القيم الإسلامية عبأ الطاقات الإسلامية على أرضية مصير مشترك، وهذا هو الأهم.

فليكن حديثنا عن التضامن الإسلامي فذلك أكثر واقعية، وهو نفسه لا يثير ما يثيره التفكير في الوحدة من تضاربات وحسابات وتخوفات على النظم وعلى المصير الفردي أو الجهوي الواحد.

إن هذا التضامن الإسلامي –ولله الحمد- متجذر في الأحاسيس والضمائر والعقول، متجل في أن المؤمنين به يعرفون أن الإسلام هو الجامع المشترك بين المسلمين، ويؤمنون أن النهج الإسلامي يمكن أن يقدم البديل للحضارة المادية المهزوزة أو على الأقل أن يساهم في إعداد هذا البديل. إلا أن الصحوة الإسلامية التي هي مؤشر هذا التضامن ما تزال تفتقد التأطير اللازم لتلتقي أولا على مفهوم واحد كما قلنا، ولتعمل فصائلها في نسق واحد، ولتضرب آلاتها في تناغم لا نشاز فيه، ولابد أن تتمنهج هذه الصحوة حتى لا تصطدم تناقضاتها التصورية بما ينسفها من أساسها، ولابد أن يكون المراد منها ليس العودة إلى الماضي والتقوقع فيه، بل أن يكون تصريف فعلها في الماضي لا يهدف إلا إلى تصريفه أحسن وأجود في الحاضر، لتكون قوالبه وصيغه استشرافا لمستقبل أكثر إشراقا.

والتضامن الإسلامي قادر على أن يخرج العالم الإسلامي من القمقوم الذي يراد له أن ينحبس فيه وإلى الأبد، وفقدان صيغة مرنة لهذا التضامن وسجنه في صيغ متطرفة تضاعف أخطار المكوث في هذا القمقوم لفترة أطول. وموقف معاداة هذا التضامن وتشويه حقيقته وتقديمه في غير صورته وتربص السوء به من طرف خصوم العالم الإسلامي كلها محاولات لتأخير التضامن الإسلامي عن أجله، وهو تضامن ممكن، ولكن تأخيره سيجعل من ممكن اليوم مستحيلا في الغد، كما أن التعبئة الفكرية حوله والعمل لتحقيق هذا التضامن بخطوات متأنية عقلانية سيجعل منه وإن بدا مستحيل اليوم ممكن الغد.

ينبغي أن يستهدف التضامن الإسلامي تنسيق المواقف بما يحقق وحدة الصف داخل وحدة الهدف، وبما يبقى على خصوصيات أجزاء العالم الإسلامي حتى يكون تضامنا في ظل التنوع، ذلك التنوع الذي يعني التضامن ويرسخ جذوره.

ربما يبدو كل هذا حلما وخيالا، ولكني أومن بالحكمة الصينية القائلة : "إذا أردت أن تجني ثمرة عملك بعد سنة فازرع زهرة، وإذا أردت أن تجني ثمرة عملك بعد سنوات فازرع شجرة، وإذا أردت أن تجني ثمرة عملك بعد قرن أو قرون فرب شعبا". وأكمل هذه الحكمة وأقول : "ولكنك إذا أردت أن تبني تضامن شعوب فاعمل دون تفكير في الزمن".

الجمعة 14 مارس 2025

أخبار و أنشطة و منشورات
السيرة الذاتيه

نبذة عن حياة الفقيد الأستاذ عبد الهادي بوطالب

رسالة وأهداف

مؤسسة عبد الهادي بوطالب للثقافة والعلم والتنوير الفكري

مقالات وندوات
مؤلفات
المركز الإعلامي