الخميس 3 أبريل 2025
العربية | Français ٰ
العربية | Français ٰ

وحدة العالم الإسلامي بين النظرية والتطبيق (الحلقة 1)

الأربعاء 12 مارس 2025

بمناسبة شهر رمضان الكريم، نقدم للقراء في حلقات محاضرة للأستاذ عبد الهادي بوطالب، في موضوع : "وحدة العالم الإسلامي بين النظرية والتطبيق"، هذه المحاضرة، كانت بدعوة موجهة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية –شعبة الدراسات الإسلامية- بالرباط، بتاريخ 9 أبريل 1987. وبالرغم من مرور حوالي 38 سنة على هذه المحاضرة، فما زالت لها راهنيتها، حيث ما زال العالم الإسلامي على حاله، بل أكثر من هذا، فقد تعقدت أحواله في ظل التحولات الدولية الجديدة وفي ظل ما تشهده بلدانه من توترات ومآسي وفيما يحضر له من مفاجآت، في ظل الهجمة الإمبريالية الصهيونية على ترابه وعلى هويته ومقوماته، ولا أدل على ذلك ما شهدته غزة من إبادة جماعية لشعب أعزل.

هذه المحاضرة، قدمها الأستاذ عبد الهادي بوطالب وهو مدير عام المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "الإيسيسكو"، وفيها يطرح العديد من الإشكاليات والعوائق التي تعوق وحدة هذا العالم الإسلامي رغم ما يتوفر عليه من إمكانيات مادية وبشرية، ويطرح الراحل في هذه المحاضرة بدل الوحدة، ينبغي علينا أن نتحدث عن التضامن، فهو الأكثر واقعية. وفيما يلي نص هذه المحاضرة الذي سننشره على حلقات.

وحدة العالم الإسلامي بين النظرية والتطبيق (الحلقة 1)

قبلت بسرور بالغ أن أجيب الدعوة التي وجهتها إلى كلية الآداب  -شعبة الدراسات الإسلامية- والتي اقترحت علي فيها أن أتحدث إليكم في موضوع اختارته وحددت صيغته في هذا العنوان : "وحدة العالم الإسلامي بين النظرية والتطبيق". وهو موضوع يمكن أن نقول إنه أحد مواضيع الساعة، موضوع يأخذ باهتمامات المسلمين في كل مكان، ويغري ببحثه ودراسته غير المسلمين في كل مكان كذلك.

وبما أن العنوان هو "وحدة العالم الإسلامي بين النظرية والتطبيق"، فإنني سأباشر دراسة هذا الموضوع بالتساؤل أولا : "ما هو العالم الإسلامي

العالم الإسلامي هو عالم الرسالة المحمدية العالمية التي كانت دعوتها موجهة للناس كافة، والتي أمرت أمتها من القرآن الكريم الذي يؤلف دستورها أن تكون الأمة الداعية إلى الخير الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، ليس فقط في الجزيرة العربية ولكن في مكان من العالم أجمع، هذه الأمة الإسلامية المكلفة بهذه الدعوة هي مجموعة الجماعات الإسلامية المنتظمة عبر العالم في سلك هذه الرسالة، والتي يلتقي بعضها إلى بعض، ويشد بعضها بعضا لتتكون في مجموعها أمة الإسلام العالمية.

إنها الأمة التي تلتف حول الإسلام، فما هو الإسلام؟

إن اشتقاقه اللغوي يأتي من اسلم الشئ، أو الأمر إذا تخلى عنه فالإسلام هو إسلام المرء قياده ضميرا وعقلا ووجدانا إلى خالقه والتكيف في السلوك بمقتضى ذلك، وعبر القرآن عن ذلك بتعبير بليغ هو إسلام المرء وجهه لله، وقد توقفت كثيرا عند هذه الآية "بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن، فله أجره عند ربه"...الآية.

إن علينا أن نسلم أعز ما لدينا ما في جسمنا وذاتنا، ألا وهو الوجه، إلى الله الخالق الأوحد، وقد قمت يحدوني في ذلك فضول علمي بملاحظة ممارسات الطقوس الدينية في كثير من الديانات والمعتقدات، خلال جولاتي في إفريقيا وآسيا وأجزاء من العالم كنت أحرص خلالها على أن أغشى المعابد حتى التي لا ينفذ المرء إليها إلا بصعوبة لأشاهد كيف تمر الشعائر وكيف يؤديها المؤمنون بتلك المعتقدات.

وفي ملاحظتي للشعائر التي تؤدى في الشعائر اليهودية والمسيحية، والمعتقدات المنتشرة في الهند من بودية وسيخية وغيرها، والمعتقدات المنتشرة في الولايات المتحدة، ومنها المرمونية المنتشرة في سالت لالك سيتي "المرمونية" لاحظت أنه لا أحد غير المسلمين يمرغ وجهه في التراب حتى البوديون والمسيحيون مثلا فإنهم ينحنون إلى درجة السجود دون أن يطؤوا وجوههم في التراب.

ولعل هذه الخاصية هي التي جعلت القرآن يعبر عن الإسلام بتعبير "أسلم وجهه لله وهو محسن".

إن السجود على الطريقة الإسلامية لا يوجد أيضا في الديانات المنتشرة في جنوب شرق آسيا، وكما لا يمارسه البوديون لا يمارسه الوثنيون، ولا يوجد عند النصارى واليهود، وإنما يختص به المسلمون. إن الإسلام يشخص الانقياد الكامل بوضع أعز ما لدينا وأشرف ما نملكه للمواجهة ألا وهو الوجه نضعه حقيرا ذليلا بين يدي الله سبحانه وتعالى في عملية استسلام كامل ونتكيف سلوكا وخلقا بمقتضى ذلك.

ومن هنا فإن شعار الإسلام هو الله أكبر، أكبر من كل كبير، وأكبر من وجهنا، وأكبر من كبريائنا وشهواتنا وأحاسيسنا، فحين نسلم القيادة لله فنحن بذلك مسلمون.

مبدأ الإسلام هذا نشأ في الواقع قبل رسالة محمد عليه السلام، فكل من يعبد الله لا يشرك به شيئا هو المسلم.

والعهد الإبراهيمي كان تشخيصا لهذا الإسلام. والقرآن الكريم تحدث عن ذلك فقال : "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل". أما الإسلام إذا أمكن أن نضع حروف التاج عليه، فجاء مع البعثة النبوية برسالة محمد عليه السلام، التي جاء بها مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، ولكنها امتداد لرسالة الإسلام عبر القرون من عهد إبراهيم عليه السلام "لا نفرق بين أحد من رسله. ونحن له مسلمون".

فأي مفهوم نعطي لهذا الإسلام بعد أن شخصناه من هذه الزاوية؟

أهو المفهوم الديني، أي علاقة العبد بربه؟ أي بممارسة الشعائر الإسلامية والالتزام بالأركان الخمسة التي لا بد لكل مسلم من ممارستها؟ أم هو أكبر من ذلك وأوسع؟.

إننا نستعمل كلمة الإسلام وننعت بوصف "الإسلامي" جملة من معتقداتنا وممارساتنا الدينية وضوابط مجتمعاتنا فنقول الشعائر الإسلامية والشرع الإسلامي ونتحدث عن أركان الإسلام الخمسة، ولكننا نتحدث في تعابير أخرى عما يتجاوز حدود الدين بهذا المفهوم الضيق، فنتحدث عن العلوم الإسلامية، وعن الاقتصاد الإسلامي، بل ونتحدث اليوم عن البنوك الإسلامية، والطب الإسلامي، والصيدلة الإسلامية، مما يدل على أن مفهوم الإسلام تجاوز في عموميته وشموليته المفهوم الديني الضيق، إلى المفهوم الحضاري الواسع، حيث أصبحنا نتحدث أيضا عن الحضارة الإسلامية والسياسة الإسلامية، والنظام الإسلامي، والثروات الإسلامية، والطاقات الفكرية الإسلامية، إلى غير ذلك. وجاء تعبير الإسلام أيضا في سياق تاريخي متصل بانتشار دعوته عبر العالم حين قسم فقهاؤنا العالم إلى دار حرب ودار إسلام، وذاك في الوقت الذي كان المسلمون ينشرون دعوة الإسلام عبر المعمور بالجهاد في سبيل الله الذي يعني أولا جهاد النفس وليس جهاد الغزو والاستعباد. إن الجهاد هو الحرب المقدسة (la guerre sainte) وترجمته هكذا إلى الفرنسية غير صحيحة. وقد دخلت إلى اللغة العربية هذه الترجمة، فسمي الجهاد بالحرب المقدسة، في حين أن المسيحية هي التي عرفت ما يسمى بالحرب المقدسة.

دار الإسلام موطن الإسلام ومستقره، أهي دار المسلمين؟ لقد كانت دار الإسلام تحتضن المسلمين وكانوا في بعض الجهات يوجدون وتتعايش معهم أقلية غير مسلمة، بل أدمجت ضمن دار الإسلام مواطن لم يكن المسلمون يؤلفون أغلبيتها، وإنما كان نظامهم الديني سائدا فيها. فدار الإسلام هي تلك التي تخضع لنظام الإسلام. اندمجت أيضا في دار الإسلام المجموعات الإسلامية من أقليات توجد في بلد غير إسلامية ويمكن أن نقول إنهم ينتمون إلى دار الإسلام وإن كانوا يوجدون في دار الحرب، دار الإسلام هي تلك التي دانت بالخلق والسلوك الإسلاميين، والتي تلاحقت داخلها القيم والخصوصيات وتلونت فيها الأعراف والقوانين المحلية بصيغة الإسلام. جغرافيا توزع الإسلام بين القارات، على اختلاف خصوصياتها وحضاراتها. الإسلام يبدو ويبرز في معاقله، إنه ليس فقط المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا لها، ولا هو مهبطي الوحي فحسب، إنه في آن واحد مكة، المدينة، وحضرموت، وصنعاء، ودمشق، وبغداد، والقيروان، وفاس، وسجلماسة، وتلمسان، وغرناطة، وقرطبة، وعكرة، ودلهي، ولاهور، وكابول، وبخارى، ونيسابور، وسمرقند، وزنجبار، وشنقيط، وبلاد التكرور في إفريقيا إلى آخر الحلقة الممتدة في جميع العصور.

والإسلام بالإضافة إلى الأعلام العرب يبرر من خلال رواد الفكر الإسلامي الأولين فهو أبو حنيفة الأفغاني، ومسلم النيسابوري، وهو الفرابي، والرازي، والخوارزمي، والفرودوسي، وابن سيناء، والغزالي، وعمر الخيام، والشهاب السهروردي، وولي الله أحمد الدهلوي، ومحمد بن صفدر الأفغاني (المعروف بجمال الدين الأفغاني)، وهو الإفريقيان عبد الله البرنوي، وإسحاق الكانوني، كما أنه أفكار ابي الأعلى المودودي، وبحوث أبي القاسم الزهراوي، وكتب ابن باجة، وابن العربي، والإدريسي، وابن طفيل، وابن رشد، وابن جبير، وابن تيمية، ورحلات ابن بطوطة، وتاريخ ابن خلدون.

وهو جامعة القرويين في فاس، وجامعة الأزهر في القاهرة، وجامعة الزيتونة في تونس، ودار الحكمة في بغداد أيام المامون، وهو أيضا ذلك التفاعل الثقافي بين أقطار الإسلام والمساهمات الفكرية الحضارية المشتركة بين باحثيه ومفكريه حيثما وجد المسلمون، فإذا يكتب الإمام البخاري صحيحه وهو من أقصى فارس آنذاك وروسيا اليوم،  يشرحه عابد السندي من باكستان، والقاضي عياض من المغرب، والصوفي من الأندلس، وبن حجر من مصر.

وإذ يكتب الإمام مسلم النيسابوري صحيحه، يشرحه المازني في الأندلس، وابن قرقول من المغرب العربي.

وإذ يكتب ابن فرحون من علماء المشرق  في كتابه "الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب" يكمله في تمبكتو أحمد بابا بكتابه "نيل الابتهاج بتطريز الديباج".

ويؤلف سيبويه من فارس كتابه في النحو فيشرح ويغني بالبحث والتعليق في الأندلس، ويؤلف ابن أجروم المغربي مختصره في النحو فيشرح هذا المختصر في مصر، ويدرس في مختلف البلاد الإسلامية.

ويختصر الشيح خليل المصري أحكام الفقه، فيشرح كتابه الرهوني في المغرب، ويؤلف الشاطبي الأندلسي كتابه في القراءات فيشرح هذا الكتاب في مختلف البلاد الإسلامية.

والإسلام هو أيضا ما دونه وما حمله الباحثون المسلمون من مشارب المعرفة، هو ما الفه الإدريسي عن الجغرافية في كتابه "نزهة المشتاق" إلى روجير الثاني في صقلية، وما قدمه حسن الوزان المعروف في الغرب بــ « Léon Africain » إلى البابا في منتصف القرن السادس عشر الميلادي في كتابه وصف أفريقيا (باللغة العربية).

وهو أيضا ما كتبه غير المسلمين من أمثال :

  • اليهودي ابن العبري المالطي (في آخر القرن الثالث عشر الميلادي) الذي كتب عدة مؤلفات في التاريخ والفلسفة (بالعربية).
  • والفيلسوف ابن ميمون اليهودي الأندلسي الذي شرح فلسفة ابن رشد وكتب بالعربية "دلالة الحائرين" والذي عاش مع المسلمين في الأندلس وفاس في بيئة الإسلام العلمية والحضارية.
  • وابن جبيرول اليهودي الأندلسي الذي شرح الفلسفة الإسلامية واقتبس منها في كتابه "ينبوع الحياة" (باللغة العربية).
  • وهو ابن سهل الشاعر اليهودي الكبير الأندلسي الإشبيلي، الذي كتب قصائده باللغة العربية.

ولم لا نضيف إلى هذه التصانيف المشحونة بالدلالات حتى المراكز العلمية الغربية المنبثة اليوم في أوروبا لنشر الثقافة الإسلامية ورصد تطورها كمراكز سلامنكا (بإسبانيا) وسالرنو بإيطاليا، والسوربون، واكسفورد بأنجلترا؟

الأربعاء 12 مارس 2025

 

أخبار و أنشطة و منشورات
السيرة الذاتيه

نبذة عن حياة الفقيد الأستاذ عبد الهادي بوطالب

رسالة وأهداف

مؤسسة عبد الهادي بوطالب للثقافة والعلم والتنوير الفكري

مقالات وندوات
مؤلفات
المركز الإعلامي