كلمة الأستاذ مجيد بوطالب في ندوة :

كلمة الأستاذ مجيد بوطالب في ندوة :

"عبد الهادي بوطالب وقضية المرأة بين مقتضيات الشريعة والقوانين الدولية"

كانت هناك مدرسة ثالثة، كان الأستاذ عبد الهادي بوطالب من بين المتحدثين باسمها، مدرسة تأخذ بفقه التيسير، وإسلام الوسطية والاعتدال

 

أيتها السيدات، أيها السادة،

يسعدني في البداية، أن أرحب بالحضور الكريم، نساء ورجالا، باسم المجلس الإداري لمؤسسة عبد الهادي بوطالب للثقافة والعلم والتنوير الفكري،وأن أعلن عن افتتاح هذه الندوة التي قررنا تنظيمها بمناسبة اليوم العالمي للمرأة.

هذه الندوة التي تنعقد تحت شعار، "عبد الهادي بوطالب وقضية المرأة بين مقتضيات الشريعة والقوانين الدولية" ستتوزع على عدة محاور، منها ما له علاقة بالشريعة ومسألة الاجتهاد في قضايا المرأة، ومنها ما له علاقة بتفعيل الدستور الجديد فيما يخص الجوانب التنظيمية ذات الارتباط بقضايا المرأة والطفل أو الأسرة عموما، ومنها ما له علاقة بمسألة المرأة والمشاركة السياسية، علاوة على قضايا لها علاقة بالمدونة بعد عشر سنوات من التطبيق وجوانب أخرى، ذات العلاقة بحقوق الإنسان والآثار الإيجابية للبعد الروحي في العلاقات الإنسانية والأسرية.

ويستمد اهتمامنا، بموضوع المرأة داخل مؤسسة عبد الهادي بوطالب، من كون أن هذه  القضية، وما تفرزه من نقاشات ومن صراعات واختلافات، تعد من بين إحدى الإشكاليات التي تستأثر باهتمامات الرأي العام، داخل المغرب والعالم العربي الإسلامي، وقد تصدر هذا الاهتمام الأحداث في السنوات الأخيرة على ضوء التحولات الجديدة التي يمر بها عالمنا العربي في ظل ما يسمى بالربيع العربي، كما يستمد هذا الاهتمام وجاهته، من كون الأستاذ الراحل عبد الهادي بوطالب، كان مناصرا لقضايا المرأة، مساندا إدخال تغييرات جذرية على مدونة الأحوال الشخصية التي كانت تعكس -كما يقول- تراثا فقهيا تجمد    منذ القرن الرابع  الهجري (العاشر الميلادي) عندما أغلق باب الاجتهاد وساد الجمود المجتمعات الإسلامية، ومنها مجتمعنا المغربي.

 -كما أن هذا الاهتمام هو جزء لا يتجزأ من اهتمامات القوى الحية   في المغرب وخاصة القوى النسائية التي ما زالت تناضل من أجل وضع قانوني أفضل على كافة المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ونحن نعقد هذه الندوة لابد من التذكير بالدور الذي لعبه الأستاذ عبد الهادي بوطالب سنة 1993، عندما عينه جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، رئيسا للجنة تعديل المدونة، بعد التجاوب الملكي مع عريضة المليون توقيع التي ساندتها حركة المجتمع النسوي والجمعيات الحقوقية، وعدد من الفعاليات السياسية.

وقد أسفرت أعمال هذه اللجنة عن إصلاحات محدودة -كما يقول- الأستاذ عبد الهادي بوطالب، حيث أكد في التقرير الذي رفعه إلى جلالة الملك على نقطتين الأولى تغيير اسم مدونة الأحوال الشخصية إلى اسم مدونة الأسرة، والثانية التركيز على عدم كفاية الإصلاح، وقد وافق جلالة الملك على هاتين الملاحظتين، حيث قال : "لنكتف بالسهر على حسن تطبيق الإصلاح على أن نفتح ملفه مرة أخرى للمزيد من الإصلاحات في الأمد القريب".

وبالفعل فلقد فتح الملف مرة ثانية في عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بعد أن انقسم المجتمع المغربي إلى فريقين إثر احتدام النقاش حول مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية. أمام هذا الانقسام، كانت هناك مدرسة ثالثة، كان الأستاذ عبد الهادي بوطالب من بين المتحدثين باسمها، والتي ترى بأن عددا من مطالب النساء يمكن إرضاؤها بالاقتباس من بعض المذاهب الفقهية التي تأخذ بفقه التيسير وتحقيق المصالح وإبعاد الضرر والضرار وإعمال   الاجتهاد الإسلامي المنفتح، إسلام الوسطية والاعتدال...وهكذا حسم التحكيم الملكي هذا النقاش، بتشكيل لجنة استشارية في 27 أبريل من سنة 2001 عرضت أعمالها على جلالته، وبعدها تم عرضها على البرلمان، وقد أسفرت هذه التفاعلات، كما يقول الأستاذ عبد الهادي بوطالب، عن مشروع مدونة جديد بعد 3 سنوات أي في فبراير من سنة 2004، مشروع يندرج في أفق بناء المجتمع الحداثي الديمقراطي، مجتمع تلتقي فيه الحداثة مع الأصالة بأخذ أفضل ما يوجد في كلتيهما، مشروع مدونة يعكس هذا التوجه الوسطي. ولقد مرت على المدونة بعد تطبيقها عشر سنوات، سنرى من خلال هذه الندوة، ما أفرزته من إيجابيات وسلبيات وهل هي في حاجة اليوم إلى بعض التعديلات.

وقد تعززت المدونة بما نص عليه الفصل32 من دستور 2011، الذي أكد على إحداث مجلس استشاري للأسرة والطفولة، لضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة بمقتضى القانون. كما تعززت المشاركة النسائية في الحياة السياسية وتدبير الشأن العام بما نص عليه الفصل 19 من هذا الدستور، الذي يؤكد على ما يلي : "يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها.

 تسعى الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء وتحدث لهذه الغاية، هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز".

نعم لقد ساهم الأستاذ عبد الهادي بوطالب رحمه الله، بكيفية جلية وبنوع من الجرأة والمسؤولية والشجاعة، سواء كعالم دين أو كحقوقي، في الدفاع عن قضايا المرأة وفي تنوير المجتمع بمنظور الإسلام، في معالجة حقوق المرأة، بنوع من السماحة والعدل والإنصاف، وبحق المساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام وفي تطوير أوضاع المرأة من مرتكزات القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية.

ويمكن لنا أن نقول اليوم، بأننا في حاجة إلى الأستاذ عبد الهادي بوطالب، إلى فكره وتحليلاته الرصينة ومواقفه الجريئة واجتهاداته المتميزة للجواب عن الأسئلة المطروحة حول قضايا المرأة في داخل المغرب وخارجه.

هذه الحاجة، هي التي دفعتنا إلى عقد هذه الندوة بمشاركة نخبة من الأساتذة، نساء ورجالا، ودفعتنا أيضا إلى نشر عدد من مقالات الفقيد العزيز الأستاذ عبد الهادي بوطالب حول قضايا المرأة في كتاب خاص، مساهمة منا كمؤسسة في نشر فكر الراحل من جهة وتنوير المجتمع بآرائه وتحليلاته العميقة في هذا المجال من جهة أخرى. وبهذه المناسبة، ننوه بالسيدة وفاء مزوار التي سيتصدر هذا الكتاب إحدى لوحاتها التشكيلية.

أيتها السيدات، أيها السادة،

مرة أخرى نشكر الحضور الكريم، ونشكر الأساتذة، المحاضرات والمحاضرين، على تجاوبهم مع دعوة المؤسسة، كما نشكر اللجنة المنظمة ونشكر مدير مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، والشكر الموصول أيضا إلى كل الإداريين والعاملين بهذه المؤسسة العلمية، وأعطي الكلمة للأخت الأستاذة صباح الشرايبي لإدارة هذه الندوة.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.