الملتقى الثقافي لوكالة المغرب العربي للأنباءالمنظم بشراكة مع مؤسسة عبد الهادي بوطالب


بسم الله الرحمن الرحيم

 

أيها السادة، أيتها السيدات،

الضيوف الكرام

يسعدني أن أتناول الكلمة في هذه الندوة التي ننظمها بشراكة مع وكالة المغرب العربي للأنباء، حيث لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لمدير عام هذه المؤسسة الأستاذ خليل الهاشمي الإدريسي، والذي لم يدخر أي جهد رفقة مدير الإعلام الأستاذ رشيد الماموني، لتنظيم هذا الملتقى الثقافي تخليدا لذكرى وفاة والدنا الأستاذ عبد الهادي بوطالب رحمه الله.

كما أتقدم بالشكر للأساتذة المحاضرين الأستاذة صباح الشرايبي، والأستاذ الصديق معنينو والأستاذ أحمد عبادي والسفير عبد العزيز لعبي، على مساهمتهم ومشاركتهم في هذه الندوة، التي تنعقد تحت عنوان "قراءة في فكر الأستاذ عبد الهادي بوطالب".

واختيار هذا العنوان، الهدف منه، هو أن نستحضر ولو بإيجاز في ظرف معين أو مرحلة معينة ما تركه السلف، من كتابات وسير ومؤلفات ووثائق، ليكون في متناول الأجيال المتعاقبة، لأنه بالعودة إلى ماضينا المشرق، بغناه وتنوعه، يمكن أن نمد هذه الأجيال بطاقة البذل والعطاء والأمل، وبشحنة قوية لمواجهة تحديات الحاضر، بإشكالياته وملابساته. إننا حين نستحضر الماضي المجيد بتراثه وشخصياته ورموزه، بأحداثه ووقائعه، فلكي نستخلص منه العبر والدروس، أفرادا وجماعات، لأنه من خلال ذلك يمكن الإجابة على بعض أسئلة الحاضر، ويمكن بناء الشخصية الوطنية. إن هذا الوصل بتراكماته هو الذي يساهم بقوة في بناء الإنسان ومناعة المغرب والمغاربة، وأمة بلا ماض أو تاريخ هي أمة بلا حاضر ولا مستقبل. وفي هذا الصدد، يمكن القول بأن التاريخ لا يمكن أن يكتب على المقاس، كما لا يمكن إلغاؤه أو تجاوزه وتجاهله، إنه مسارات وتجارب، وجوه ورجال، أحداث ووقائع.

أيها السادة، أيها السيدات،

لقد اضطررت إلى هذا التقديم لكي أؤكد لكم بأننا في مؤسسة عبد الهادي بوطالب حريصون كل الحرص على رعاية تراث الفقيد، بما نتوفر عليه من إمكانيات، لأننا من جهة مؤتمنون على هذه المؤسسة التي أسسها الأستاذ عبد الهادي بوطالب قيد حياته وحظيت حينها بترحيب جلالة الملك محمد السادس نصره الله الذي دشن بمؤسسة مسجد الحسن الثاني فضاءً يحمل اسم عبد الهادي بوطالب وهو فضاء يضم حوالي 5000 كتاب وضعها الأستاذ عبد الهادي بوطالب رهن إشارة الباحثين والطلبة، ولقد قلدنا جلالته ونحن نقدم له العزاء في الوالد، بأنني أنا وأخي سعد نتحمل كامل المسؤولية في رعاية تراث الأستاذ عبد الهادي بوطالب رحمه الله. وهنا أريد أن أشير بأن جلالة الملك حين حملنا هذه المسؤولية، فكأني بجلالته يوجه هذه المسؤولية، إلى كل المؤسسات الثقافية والفكرية والعلمية لكي تلعب هذا الدور في رعاية التراث الوطني قديمه وحديثه، لأنه بدونه لا يمكن للمغرب أن يكون هو مغرب الإثنا عشر قرنا ويزيد، بتعدده الثقافي وتنوعه الفكري وغناه الحضاري، حيث يشكل كل ذلك هذه الهوية المتميزة للمغرب والمغاربة.

وبالعودة إلى فكر الأستاذ عبد الهادي بوطالب رحمه الله، فهو فكر بقدر ما يمتح من هذا التراث من جهة بقدر ما هو منفتح على آفاق

أخرى، جعلت هذا الفكر يتميز بالأصالة والحداثة من حيث المضمون وبالتنوع من حيث الشكل، حيث تتنوع أجناس الكتابة، من المقالة الصحفية إلى الرواية والشعر، إلى الدراسات الفكرية والسياسية والاجتماعية، حيث عالج الأستاذ عبد الهادي بوطالب عددا من المواضيع والقضايا تمحور معظمها حول ثلاثة محاور أساسية، وهي الديمقراطية وحقوق الإنسان، قضايا الإسلام المعاصر، وقضية المرأة، فضلا عن قضايا أخرى تهم حوار الثقافات والعولمة والديبلوماسية إلى غير هذا من المواضيع التي كانت محط انشغال الفقيد الكبير.

والجدير بالذكر، أن الأستاذ عبد الهادي بوطالب كان له رأي وهو يعالج هذه القضايا والإشكاليات، لم يكن يتعامل مع هذه الأشياء بمنطق الباحث الأكاديمي وحسب، بل أيضا بمنطق الباحث السياسي الذي كانت له الجرأة للتعبير عن موقفه وهو يخوض في قضايا الشأن العام أو في القضايا الفكرية والثقافية.

إن انخراط الأستاذ عبد الهادي بوطالب المبكر في خلايا الحركة الوطنية وتحمله للمسؤولية الحزبية ومساهمته في النضال الوطني   وفي بناء الاستقلال وإرساء دعائم الدولة الحديثة فضلا عن مساهماته العملية في الحكومات المتعاقبة منذ استقلال المغرب إلى نهاية القرن الماضي، كل هذا صقل شخصية أستاذنا الجليل، بل إن ثقافته المزدوجة، من خريج للقرويين إلى أستاذ للقانون الدستوري، ومن عالم ورجل دين، إلى رجل سياسة، جعلت من الأستاذ عبد الهادي بوطالب، ذلك المفكر المتعدد، حيث بقدر ما يخوض في عالم الشريعة يخوض في عالم السياسة لهذا فحين ندعو إلى قراءة فكر الأستاذ عبد الهادي بوطالب، فإننا ندعو في نفس الوقت من خلال ذلك، إلى قراءة تاريخنا الحديث.

لقد ترك الأستاذ عبد الهادي بوطالب أكثر من 50 مؤلفا فضلا عن المآت من المقالات الصحفية. وتعد اليوم، العديد من مؤلفاته مرجعا للطلبة والباحثين، من بينها على سبيل المثال كتاباته عن تاريخ وشخصيات الحركة الوطنية وهو كتاب في جزئين من ألف صفحة عنوانه "ذكريات..شهادات..ووجوه.."، وكتاب "نصف قرن في السياسة" الذي يقدم شهادة حية عن تجربة الأستاذ عبد الهادي بوطالب السياسية الممتدة على مدى نصف قرن، شهادة تسلط الضوء على مساره السياسي لكنها في نفس الوقت تسلط الضوء على فترة سياسية حرجة من تاريخ المغرب الحديث.

هذا فضلا عن كتاباته حول الاجتهاد في الإسلام وكتاباته حول حوار الحضارات والثقافات والأديان، حين كان كاتبا عاما للإيسيسكو. إنها كتابات ما زالت لها راهنيتها وتحتاج إلى المزيد من القراءة والدرس، وفي هذا الإطار نعلن بأن مؤسستنا على استعداد كامل للتعاون مع كل الفاعلين في هذا المجال، من أجل تعميق هذه القراءة على كل المستويات.

أيها السادة، أيتها السيدات،

مرة أخرى أتوجه بالشكر للجميع، إلى المدير العام لوكالة المغرب العربي للأنباء ومدير الإعلام وإلى السادة المحاضرين وإلى الحضور الكريم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.