جامعة سيدي محمد بن عبد الله كرسي الإيسيسكو عبد الهادي بوطالب للفكر الإسلامي

None

                                                                    جامعة سيدي محمد بن عبد الله

كرسي الإيسيسكو عبد الهادي بوطالب للفكر الإسلامي

متابعة أعمال اللقاء العلمي:

السياسة و الدين: مقاربات مفتوحة

الخميس 17 دجنبر 2015

كلية الطب و الصيدلة بفاس

افتتح كرسي الإيسيسكو أنشطته العلمية يوم الخميس 17 دجنبر 2015 من خلال اللقاء العلمي الذي عقده بمناسبة إحياء الذكرى السادسة لوفاة المفكر و رجل الدولة عبد الهادي بوطالب.

إنّ ما يميّز المشروع الفكري الذي نذر له عبد الهادي بوطالب جلّ حياته الفكرية يتمثل في محاولة تحديث الفكر المغربي من الداخل، كما يقول المفكر المغربي محمد سبيلا. إذ يوجد فرق شاسع بين من يدعو إلى تقليد الغرب من منظور محاكاة الفكر الغربي و يطالبنا بالسير على هداه حذو النعل و بين المصلح الحقيقي الذي ينفتح على الحداثة دون أن ينسى المقومات التي قامت حضارته عليها. يجمع ذ. عبد الهادي بوطالب بين مطلبين كبيرين، و هما مطلب النظر إلى الإسلام كديانة موجهةٍ إلى سائر المسلمين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية و الإيديولوجية و مطلب مراعاة الخصوصية السياسية للدول و سيادتها على أراضيها و وحدتها الترابية. و عليه، فإنّ الجمع بين قيم الإسلام السامية و حسّ المواطنة النبيلة كان يستحضر لديه هاجس الأصالة و المعاصرة و الوصل بين التراث و الحداثة في انسجام كامل نجد آثاره البادية في فكره.

و قد انعقد هذا اللقاء الجامعي في ظروف عصيبة شهدها العالم الإسلامي، بعد أن تحولت القيم الإسلامية السمحة إلى أدوات سياسية رخيصة لزرع بؤر الفتنة و إذكاء حمية الطائفية و بعث النعرة القبلية، بينما تحثّ رسالة الإسلام في جوهرها على السلم و التعايش بين الأمم و الشعوب. من هذه الزاوية، اقترح كرسي الإيسيسكو للفكر الإسلامي أن يخصّص هذا اللقاء العلمي الأول لموضوع "الدين و السياسة" من زوايا مفتوحة، من أجل مناقشته و التفكير فيه تفكيراً علمياً هادئاً، لاسيما و أنه  موضوعٌ مطروح بإلحاح على المستوى الدولي. و قد كان هذا الموضوع و لا يزال يستقطب الحقول المعرفية المنتمية إلى الفلسفة و العلوم السياسية و العلوم الإسلامية. غير أنّ ما ميّز هذا اللقاء العلمي، على خلاف أغلب اللقاءات التي انعقدت في الموضوع، هو أنّه انتهج مقاربات مفتوحة من زوايا نظر فلسفية و تاريخية قانونية و فقهية و أخلاقية.

و قد افتتح اللقاء العلمي أشغاله بكلمة عميد كلية الآداب ظهر المهراز، حيث أبرز أنّ هذا اللقاء العلمي قد انعقد في أفق مواصلة التعاون المثمر بين جامعة سيدي محمد بن عبد الله و المنظمة الإسلامية للتربية و الثقافة و العلوم  و مؤسسة عبد الهادي بوطالب للعلم و الثقافة و التنوير الفكري لخدمة الأهداف العلمية و التربوية المشتركة. و اعتبر أن هذا التعاون المثمر سيساهم في إبراز أهمية فكر عبد الهادي بوطالب في تعزيز  القيم الإسلامية السامية مع الانفتاح على القيم  الإنسانية العليا في أفق السلم الدولي. و أبرز الدكتور مصطفى أحمد علي مدير العلاقات الخارجية و التعاون بمنظمة الإيسيسكو اختلاف مسار الدين و العلم و السياسة في العالم الإسلامي عمّا عرفه الغرب. فإذا كان الحاكم ظلا لله في أرضه و لا تجوز مراجعة أحكامه في الغرب المسيحي، فإن إشاعة العلم و المعرفة كانت مبدأ أقره الإسلام، كما أنّ وثيقة المدينة تعدّ المنهج الذي سار عليه الفكر السياسي، فكانت بمثابة الدستور الأول الذي يحكم المسلمين و أهل الكتاب. و قد أشار الأستاذ مجيد بوطالب في كلمته الافتتاحية إلى أهمية خطاب النهضة في التمييز بين الدين و السياسة، و كيف عمل محمد عبده على تثبيت أركان الدولة الحديثة، ممّا يسمح بتمييز المشاعر الدينية عن الخطاب السياسي. و قد انتهى إلى أنّ إنشاء الدولة المدنية يتطلب فصل الدين عن السياسة.

و قد ألقى الدكتور عزالعرب لحكيم بناني محاضرةً افتتاحية حول علاقة السياسة بالدين من منظور المرجعية الدستورية، مستلهماً آراء عبد الهادي بوطالب في الموضوع. و قد تبنّى خلال العرض موقفا فلسفياً اعتبر بموجبه أن المرجعية القانونية تعكس مرجعية أخلاقية محايثةً لها. و أبرز أن الممارسة السياسية ظلت بعيدةً عن استدعاء هذه المرجعية و ربطت السياسة بالمقاومة و نقد القانون الدولي و نقد العدمية الغربية داخل التيارات الدينية. كما أبرز أن السياسة ارتبطت في البداية بالخلافة و بمفهوم الحاكمية لله. و راجع الفكرة التي ترى أنّ السياسة ممارسة غير أخلاقية بقصد فصل الدين عن السياسة، مركزاً على الارتباط الممكن بين قيم السياسة و قيم الدين، دون أن يربط مباشرةً بين السياسة و الدين بحدّ ذاتهما،  و هذا ما سمح له بإبرازمساهمة الإسلام في القيم الكونية، بناءً على التراكم الحاصل في منظومة القيم على الصعيد الدولي. و قد قدّم الأساتذة المختصون المشاركون في اللقاء العلمي عروضا و تعقيبات حول صلة الدين بالسياسة و القانون. فقد أبرز الدكتور ناصر مشكوري متيوي أستاذ القانون الخاص بكلية الحقوق بفاس كيف ساهم الدين في كتابة قانون الالتزامات و العقود. و أبرز أنّ هذا التأثير لم يقف فقط عند هذا القانون، بل قد نجد آثاره باديةً كذلك في مدونة نابوليون، و هو ما يستوجب بحثاً تفصيلياً في تاريخ القانون بخصوص هذا التأثير. و قد اعتبر أنّ أحكام الشريعة تختلف عن القوانين الوضعية، ما دام أنّ هذه الأحكام لا تمرّ عبر البرلمان و تظلّ من اختصاص إمارة المومنين و تحتكم إلى وجوب الحفاظ على النظام العام، كما تمّ تعريفه من طرف فقهاء القانون. و قد أبرز الدكتور محمد المبكر أستاذ التاريخ القديم بكلية الآداب ظهر المهراز إشكالية الديمقراطية في العالم الإسلامي و كيف أنّ هذا المصطلح لا نجد أثرا له لدى فلاسفة الإسلام، باستثاء إشارة واحدة محتملة لدى ابن سينا. و قد أبرز المحاضر اختلاف الديمقراطية عن الشورى و عن الوظيفة السياسية التي شغلها أهل الحلّ و العقد. و قد أبرز الدكتور أحمد علمي حمدان من جهته اختلاف ثنائية الدين و السياسة عن ثنائية الإسلام و السياسة، و دعا إلى تجنب التلفيقية و الخلط بين القيم الموضوعية التي يتضمنها النصّ التأسيسي للإسلام و القيم الذاتية التي ابتكرها الإنسان عبر تاريخه الطويل. و قد استخرج المحاضر الأخير الدكتور ادريس حمّادي، أستاذ علم أصول الفقه، من القرآن الكريم  و من السياق الذي سبق هبوط آدم من الجنة بالتحديد بذور الحياة السياسة و الصراع على السلطة و مواجهة أعداء الديمقراطية. و قد أبرز المحاضر أنّ الديمقراطية قد عرفت صيرورةً تاريخيةً طويلةً، و قد كانت الشورى إحدى الأوجه التي تبنّتها الديمقراطية داخل الإسلام. و قد خلص المتدخلون في الأخير إلى أنّ النقاط الأساسية التي استعرضها المحاضرون تعتبر بمثابة برنامج عامّ للبحث من الزاوية التربوية داخل مسالك التكوين بالجامعات و من الزاوية العلمية بين الباحثين المختصين. في هذا الإطار أوصى الباحثون بتعاون مختلف التخصصات التي تعرفها الجامعة المغربية على تبني مقاربات مفتوحة لموضوعات هامة مثل: العدالة بين الشريعة و القانون، و القيم الأخلاقية و السياسية في النصّ التأسيسي للإسلام و دور الدين في إنشاء القاعدة القانونية و الدين و الدولة بين الدولة الإغريقية اليونانية و الدولة الحديثة علاقة الدين بالسياسة من زاوية المرجعية الدستورية في الدولة الحديثة و الدولة العربية الإسلامية. و قد حضر الندوة جمهور عريض من طلبة الدراسات العليا و الباحثين و المختصين و المهتمين بمجالات الفلسفة و التاريخ و العلوم الإسلامية و القانون. كما عرفت الندوة متابعةً إعلاميةً هامةً تبرز مدى أهمية مناقشة قضايا الدين و السياسة في عالم اليوم.