شهادة الأستاذ محمد اليازغي

شهادة الأستاذ محمد اليازغي

 

تعرّفتُ على المرحوم الأستاذ عبد الهادي بوطالب بطريقة غير مباشرة عن طريق قراءة روايته "وزير غرناطة". كنتُ يومها تلميذا في الثانوي في عقد الخمسينيات. وهي رواية مثيرة يرسم فيها بوطالب حياة لسان الدين بن الخطيب. وقد أثارت اهتمامي يومها سواء من حيث المعلومات التي وردت فيها، أو من حيث الأسلوب القصصي الشيّق الذي كتبت به. وكنتُ في الوقت نفسه أطالع ما يكتبه في جريدة "الرأي العام"، رغم انخراطي المبكّر في الشبيبة الاستقلالية، كنت أقرأ هذه الجريدة، وكان يعجبني ما ينشره من مقالات تنويرية في السياسة وفي الفكر، إلى جانب صديقه امحمد بن سودة. فالاثنان معا كان لهما أسلوب متميّز وشيق. كانت كتابات بوطالب تثيرني رغم ما كان بيننا بطبيعة الحال من اختلاف سياسي بحكم انتمائي يومها إلى حزب الاستقلال.

أما اللقاء المباشر بعبد الهادي بوطالب، فقد كان بمناسبة انعقاد المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في السادس من شتنبر 1959. كنت ساعتها مؤتمرا بينما كان هو من الأعضاء المؤسسين. لقد سبق للمهدي بن بركة أن ربط علاقات حوار مع قيادة حزب الشورى والاستقلال بخصوص عبد الهادي بوطالب عن طريق عبد الحيّ العراقي، الذي كان ينتمي إلى نفس الحزب والذي سبق للمهدي بن بركة أن تعرف عليه مطوّلا، ثم ربط معه علاقة صداقة عندما كان عضوا في المجلس الوطني الاستشاري، حيث كان عبد الحي العراقي ممثلا لحزب الشورى والاستقلال في هذه المؤسسة البرلمانية. وبطبيعة الحال فقد انخرط بوطالب بحماس وإرادة قوية في عملية تأسيس الاتحاد الوطني، فقد كان مقتنعا بأن كل الديمقراطيين في المغرب، وكل التقدّميين عليهم أن يؤسسوا إطارا سياسيا يضمّ الجميع مهما كانت تجاربهم السياسية السابقة. سواء أكانوا استقلاليين أو شوريين، أو كانوا في الحركة الشعبية، أو كانوا في الأحرار. وهذا هو الذي ميّز تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في ذلك اليوم.

هذه هي الفترة التي عرفته فيها وشاركت في انتخابه عضوا في الأمانة العامة للاتحاد الوطني، وهي الأمانة التي ضمّت محمد الفقيه البصري وعبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد والمهدي بن بركة والمحجوب بن الصديق والتهامي الوزاني وأحمد بن سودة وعبد الله الصنهاجي وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد عبد الرزاق. هؤلاء هم الذين شكّلوا الأمانة العامة للحزب آنذاك.

وأتذكر أنه بعد المؤتمر بفترة قصيرة، زارنا المرحوم عبد الهادي بوطالب رفقة المهدي بن بركة بمدينة الرباط بالمقر الإقليمي للاجتماع بالعناصر التي جاءت من حزب الاستقلال والعناصر التي جاءت من حزب الشورى، وأذكر أن خطابه كان خطابا واضحا حول أهداف الاتحاد وقيمه ومخططاته المستقبلية. وفي الواقع كان كلمته قوية آنذاك لا في معناها ولا في أسلوبها. ولما غادر المهدي بن بركة المغرب سنة 1960، فرارا من الحملة القمعية التي كانت تستهدفه،  حلّ محله في الواقع عبد الهادي بوطالب في قيادة الاتحاد الوطني. وهنا أشهد أنه سهر على خلق دينامية داخل الحزب الجديد، والعمل على اتساع إشعاعه،  وربط أواصر أعضائه الجدد في فروعهم وأقاليمهم ومختلف تنظيماتهم القطاعية أو الجغرافية. 

وفي الواقع أشهد كذلك أن عبد الهادي بوطالب هو الوحيد ربما الذي قام بجولات في كلّ أقاليم المغرب وفي كل فروع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية للاتصال بالمناضلين في القاعدة والمسؤولين في المكاتب الوطنية ومكاتب الفروع للتباحث والتواصل والتعبئة. ولما حلّت في نفس السنة الانتخابات البلدية والقروية الأولى في ماي 1960، كان بوطالب من العاملين الأساسيين للعمل على إنجاح حملة الترشيحات والحملة الانتخابية. حملة الترشيحات كانت في الحقيقة امتحانا كبيرا لأولئك الذين جاؤوا من مشارب سياسية أخرى للاتفاق على مرشحين مختلفين. وهو نجح في ذلك. كما لعب أثناء الحملة الانتخابية دورا أساسيا في توضيح الرؤية، وشرح مناهج ما يريده الاتحاد الوطني من المشاركة في هذه الانتخابات الأولى في تاريخ المغرب، منتخبة لأول مرة بكيفية مباشرة عن طريق الاقتراع السري المباشر.

 وقد ترشح عبد الهادي بوطالب في مدينة الدار البيضاء، ضمن المرشحين القادمين من حزب الاستقلال والقادمين من حزب الشورى. ونجح ضمن فريق الأغلبية التي حصل عليها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وكان الاعتقاد عندنا جميعا أن بوطالب هو المؤهل لكي يكون رئيسا لبلدية أكبر مدينة بالمغرب، ليقود تلك التجربة الانتخابية الأولى بعد استقلال المغرب.لكن للأسف فإن المحجوب بن الصديق، لأسباب تتعلق بحساباته المتعلقة بالنفوذ وبالقيادة، قد فضّل دعم المعطي بوعبيد ليكون رئيسا عوض عبد الهادي بوطالب الذي كانت تفضّله القواعد. وهذا في رأيي كان خطأ جسيما من طرف المحجوب بن الصديق الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل في حق بوطالب وفي حق تجربة الاتحاد الوطني. فلو انتُخب بوطالب لما ابتعد عن الاتحاد الوطني فيما بعد، ولكانت تجربة الاتحاد تجربة ناجحة للحفاظ على جميع العناصر القادمة من مشارب سياسية وعقائدية وثقافية مختلفة تغني التجربة.

بطبيعة الحال، بدأ عبد الهادي بوطالب يبتعد شيئا فشيئا عن الاتحاد الوطني، وأتذكر أنني زرته في مؤسسة دار الكتاب، وأكد لي أنه سيبقى وفيا لقيم ومبادئ الاتحاد التي انخرط فيها عن قناعة واقتناع، وأتذكر كذلك أنه رفض أن يشارك في حكومة الوحدة الوطنية التي دعا إليها الحسن الثاني بعد وفاة محمد الخامس عند اعتلائه العرش، وهو نفس الموقف الذي اتخذته قيادة الاتحاد الوطني، بسبب غياب التزام الحسن الثاني بالإسراع بتزويد البلاد بدستور يصوغه مجلس تأسيسي. بطبيعة الحال، تابعت فيما بعد مسار عبد الهادي بوطالب، سواء من خلال تحمله المسؤوليات الوزارية في عدد من الحكومات، أو من خلال إشرافه على منظمة الإيسيسكو التي أنجز مهمتها أحسن قيام، بحيث يمكن القول بأنه هو المؤسس الحقيقي لليونسكو، أو من خلال مهمة المستشار.ففي كل هذه المهام كان بوطالب لا يخشى الدفاع عن رأيه بكل شجاعة وصراحة على الرغم من الحسن الثاني لم يكن يأخذ دائما  بجميع ما كان يقترحه عليه من آراء . وقد احتفظت دائما بعلاقة صداقة مع بوطالب. وكنت أشعر دائما أنه كان يدعم باستمرار تجربتنا واختياراتنا رغم أنه كان إلى جانب الملك الحسن الثاني.