في اليوم العالمي للمرأة : مؤسسة عبد الهادي بوطالب ومُستجدات أوضاع المرأة

None

             انتظمت بقاعة المحاضرات بمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود بالدار البيضاء يوم 8 مارس 2014 ندوة علمية حول مستجدات التطور الذي عرفه واقع المرأة المغربية خلال عقود ، شارك فيها أساتذة وباحثون شغلتهم وتشغلهم أوضاع المرأة في مغرب القرن الواحد والعشرين .

أشرفت على تنظيم هذه الندوة مؤسسة عبد الهادي بوطالب للثقافة والعلم والتنوير الفكري تقديرا لجهود صاحب المؤسسة في مواقفه التنويرية من قضية المرأة في مِـحَـكِّ التوازن بين مقتضيات الشريعة والقوانين الدولية .

 لخـصـت  الكلمة الافتتاحية لمدير المؤسسة الأستاذ مجيد بوطالب  الأجواء العامة التي عرفها وضع المجتمع المغربي   منذ سنوات وما صاحب ذلك من نضال لتحقيق شخصية وازنة للمرأة من خلال نـبْـعـيْـن  أساسين : الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية ، وكانت جهود الأستاذ عبد الهادي بوطالب في الميدان منذ سنة 1993 إلى غاية 2004 مؤكدة حرصه على تمتـيع المرأة بحقوقها ، فكانت مدونة الأسرة ملبية لمطالب ومحققة لآمال بعد مخاض عسير ونقاش مثمر ، تعـزز ذلك بحقوق أخرى  نص عليها دستور 2011 في الفصل 32 ،تـلزم " تمتيع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية ,,إلخ ". (انظر نص الكلمة رفقة هذا المقال).

كانت مـواقـف الأستاذ عبد الهادي بوطالب الشجاعة والجــريئة في الدفاع عن حقوق المرأة بموضوعية وسماحة منطلقا لأشغال هذه الندوة ، فـتناولت عروض المشاركين محاور متعددة ، تقاطعت واختلفت فيما تحقق وأنجز بتحليل وتأويل مقتضيات الظروف التي ساهمت في الاعتراف بحقوق المرأة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ضوء الشريعة والقوانين الدولية  ، مـن هذه العروض :

 الأستاذ بوطالب وأفكاره واجتهاداته لتـفعيل حقوق المرأة في المجتمع للأستاذة صباح الشرايبي ، المرأة وتحـول القــيـم في المجتمع للأستاذة رحمة بورقية ، مدونة الأسرة بعد عشر سنوات من التطبيق للأستاذة زهـور الحـر ، المرأة وتطور حقوق الإنسان بالمغرب للأستاذ علي سدجاري ، والمرأة المغربية ومشاركتها في تدبـير الشأن العام للأستاذة فتحية بنيس، هل حققت المدونـة ما كانت تطمح إليه المرأة ؟ للأستاذ عبد الواحد بن مسعود، وعبد الهادي بوطالب صاحب الـفكـر التصالحـي التوافـقي للأستاذة رجاء ناجي مكاوي ، وأدارت الندوة الأستاذة صباح الشرايبي .

   عروض أكـدت التطور الذي عرفـه مسـار المرأة المغربية في المجالات المشار إليها، وإن كانت هناك عروض غير راضية عما تحقـق ، لافـتـة النظر إلى  الثـغرات غير المطمئنـة التي شـابت بعض بنود مدونة الأسرة 2004 ، وبعض بنود دستور 2011 ، وأعتـقـد ــ حسب رأيي ــ أن الإصلاح لا يمكـن أن يــتِـمَّ مــرة واحدة ، وأن تحدث طفرة التغـييـر كما جـاء في بعض العروض بين يوم وليلة  وبآلـيـة وسرعـة غيـر وارد في أي مجتـمع ، ومـا لا يدرك كــلـه لا يـترك جــلُّـه ..

  تغيير العقـليات هو المرتـكز الأول لكل تغييـر في المجتمع ، والوعـي بذلك ليس بالأمر الهــين المــيـسّـر، ونشدان الكمال أمـر متعــذر ، فإذا كانت هناك ثغرات أو إخــلال أو ملحوظات حـول المدونة أو حول بعض بنود الدستور، فـلابد  من النـضال من أجل تغيـيـر العـقـليات والتوعية بواقـع المجتـمع الذي يعيش مرحلة انتقــال سياسي واجتماعي واقتصادي. وهذا دور المجتمع المدني ودور الأجهـزة السياسية والتشريعية والقضائية والتنـفيذية ، ودور المؤسسات الحقوقية والمؤسسات العلمية والثقافية ودور المفكرين والمثقـفين والسياسيين ، كل في إطـار اختصاصـه وقنـاعاتـه ، ولـن تـتـمّ معـالجة الخلل أو الثغرة إلا بالاجتـهاد من أجـل الإصلاح وبالانتـقـاد البـنّاء بعقـلـية متـسامحة ومتعاونـة .  .  

 إحداث التغيير في أي مجتمع يقتـضي نضالا ومثابــرة وصبرا ،وكما يقول الشاعر العربي أحمد شوقــي :

وما نــيــل المـطــالب بالتــمـني         ولــكـن تـؤخــذ الــدنيا غــلابــا

ومـا استـعصـى على قوم منـال         إذا الإقـــدام كـان لهــم ركــابــا

 لـقـد تحققت مكاسب كثيرة للمرأة في ضوء المتغيرات التي عرفها المجتمع المغربي وفي ضوء النضال الذي خاضته الجمعيات النسائية والمنظمات الحقوقية والإسهامات الفكرية لرجال  التنوير في المغرب كعلال الفاسي ومحمد بن العربي العلوي  وعبد الهادي بوطالب ، فمدونة الأسرة سنة 2004 كانت خطوة رائدة في تحقيق مكاسب ،ودستور 2011 أقـر في كثير من بنوده وفقراته على مكانة المرأة وعلى تربعها على كرسي المساواة والمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز   .

ولعـل المـتأمـل في ما حقـقـته المرأة المغربية من مكاسب ليدعـو إلى الاطمئنان ، ناصرها منذ سنوات طوال كما سبقت الإشارة مفكرون وعلماء استرشدوا في ذلك بما أقــرَّتـه الشريعة الإسلامية وما أقــَّرتـه  القوانين الدولية ،وكـان لجهودهم المتــتابعة دور في التغيير الذي عرفه المجتمع بنظرته إلى المرأة ونـدِّيَّــتِها لشقيقها الرجل في الأحكام والمعاملات ، وكانت أفكار الأستاذ عبد الهادي بوطالب  وآراؤه مِــضَـخَّة لما تـحقق وأنجز وإن بعد سنوات من النضال والاجتهاد والمتابعة   .  

وقد أحسنت مؤسسة عبد الهادي بوطالب للثقافة والعلم والتنويرالفكـري صنعا في تنظيم هذه الندوة  تكـريما لصاحبها صاحب الصوت النــديّ في الانتصار للمرأة وتمكينها من حقوقها  كاملة ، فقد كان صـوتـه وكتاباته شـعاعا نـيِّـرا استطاعت من خـلالـه المـرأة المغربية أن يـكون لها مـسـار جديـد تستـحـقـه ،فـتـنجح في تخـطـي العقبات وتحـدي الإقـصـاء والتهميش بعـزيـمة ومثابـرة وصـبر . 

 

الدكتورة نجاة المريني

عـضـو المؤسسة

None